الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

الإنسان بين نزعتي: الخير والشر

مسألة: إن في جبلّة كل إنسان نزعتين:

1: نزعة خير.

2: ونزعة شر.

كما قال الله تعالى: (وهديناه النجدين)(1) ، وقال سبحانه: (انا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)(2).

وحيث إن هناك من المغريات ما يقوّي نزعة الشر في الإنسان، ويشجع روح التعدي فيه على نفسه وعلى المجتمع وعلى المحيط، ويدعوه إلى مخالفة الأحكام والقوانين الشرعية وغيرها ـ من المرور وغيره ـ، وذلك لأمور مذكورة في علم الكلام وفي علم النفس والأخلاق وما أشبه.

قال تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(3).

وقال سبحانه: (إن الإنسان خلق هلوعاً)(4).

وقال تعالى: (إنه كان ظلوماً جهولاً)(5).

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الدالة على هذا الأمر.

لذلك جعل الإسلام ثلاثة أمور لأجل تقويم الإنسان، وتقوية نزعة الخير فيه، وتغلبه على نزعة الشر، حتى لا يأتي بالاعتداءات المتقدمة والتي يكون جملة منها من مصاديق ما يرتبط بالمرور، والأمور الثلاثة هي كما يلي:

1: التزكية والتهذيب:

الأول: جعل الإسلام للإنسان أوامر ونواهي، وآداباً وسُنناً وحِكماً ومواعظ، تؤدي إلى تزكيته وتهذيبه، وإلفاته إلى مضار المعصية وفوائد الطاعة في الدنيا وفي الآخرة.

قال الله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)(6).

وقال سبحانه: (كل امرئ بما كسب رهين)(7).

وقال عز وجل: (قد أفلح من تزكّى)(8).

وقال تعالى: (قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دساها)(9).

وقال سبحانه: (أم نجعل المتقين كالفجار)(10).

وقال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)(11).

وقال سبحانه: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض)(12).

وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)(13).

وقال عز وجل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم)(14).

وقال سبحانه: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى)(15).

وقال تبارك وتعالى: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير)(16).

وقال سبحانه: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)(17).

وفي الحديث: (إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)(18).

وقال الإمام الصادق(ع): «من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الشهوة، وعقله عن الجهل، فقد دخل في ديوان المنتهين، ثم من رعى عمله عن الهوى، ودينه عن البدعة، وماله عن الحرام، فهو من جملة الصالحين»(19).

وقال (ع) أيضاً: «طوبى لعبد جاهد نفسه وهواه، ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله، ومن جاوز عقله النفس الأمارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة الله، فقد فاز فوزاً عظيماً، ولا حجاب أعظم وأوحش بين العبد وبين الرب، من النفس والهوى»(20).

2: الرقابة الاجتماعية:

الثاني: جعل الإسلام على الإنسان الرقابة الاجتماعية، حيث أوجب إرشاد الجاهل، وهداية الضال، وإلفات المخطئ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير.

قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)(21).

وقال عز وجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)(22).

وقال سبحانه: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)(23).

وفي الخطبة الشقشقية عن أمير المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام): «وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم»(24).

وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) قال: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّي الله أموركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم دعاؤكم»(25).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: «ما أقرّ قوم بالمنكر بين أظهرهم لا يغيّرونه، إلا أوشك أن يعمّهم الله عز وجل بعقاب من عنده»(26).

وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) في النهج: «ان الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم، إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن السفهاء لركوب المعاصي، والحكماء لترك التناهي»(27).

وعن الإمام الصادق (ع) انه قال للحرث بن المغيرة: «ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهونه مما يدخل به علينا الأذى والعيب عند الناس، أن تؤتوه فتؤنّبوه وتعظوه وتقولوا له قولاً بليغاً»(28).

3:القوانين الجزائية:

الثالث: جعل الإسلام أمام الإنسان المجرم عقبة العقوبات والجزاء الذي يناله بسبب القضاء ونحوه.

قال سبحانه: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم)(29).

وقال تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم)(30).

وقال سبحانه: (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها)(31).

وقال تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)(32).

متى وُجد القضاء؟

والكلام في هذا الصدد وفي بعض مصاديقه، حيث إن القضاء وجد من أول ما وجد الإنسان، فإن العقيدة في الشرائع السماوية كلها على: إن أول الناس هم الأنبياء كآدم (ع) وليس في الإسلام أو في سائر الأديان السماوية من الإنسان القديم، أو الإنسان الأول، أو الإنسان الحجري، الذي يزعمه الطبيعيون عين ولا أثر.

وعلى هذا: فالإنسان حين وجد، وجد معه قوانين القضاء الذي أنزله الله تعالى من السماء، قال الله تعالى: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان)(33).

فالكتاب منهج للحياة، والميزان لتطبيق الكليات القانونية على المصاديق الخارجية، وليس خاصاً بالميزان الذي يوزن فيه، ولذا نرى أن كلاً من الكيل والوزن والعد والذرع ميزان، فالميزان يصدق على الجميع، وفي الأحاديث: أن أمير المؤمنين علياً (عليه الصلاة والسلام) ميزان الأعمال(34)، كما أن الأصول ميزان الفقه، والمنطق ميزان الفكر، وقد ألمع إلى ذلك المولى الفيض الكاشاني في مقدمة (الصافي).

القضاء لماذا؟

وعلى أي: فالقضاء إنما احتيج إليه لحل اختلاف الناس، سواء كان الاختلاف:

عن عمد، كمن يأكل أموال الناس بالباطل، أو يغتصب البنات، أو ما أشبه ذلك.

أو عن خطأ، كمن تصور مال زيد ماله فتصرف فيه خطأً، أو اعتقد زوجة عمرو زوجته لظلمة مثلاً فواقعها، أو غير ذلك.

أو عن اختلاف المصالح، فإن مصلحة الطبيب هو: أن لا يخرج في نصف الليل حيث وقت استراحته مع عائلته، وذلك بعد نهار طويل من المتاعب، ومصلحة المريض هو: أن يخرج الطبيب حيث احتياجه إلى العلاج، فإذا تشاحا كان القضاء هو الفيصل، إلى غير ذلك من الأمثلة.

أو عن جهل بالواقع، وإن كان كل خاضعاً للحق، كما إذا كان الإرث مشتركاً بين الورثة ولم يعلم كل قدر حصته، ولا كيف يقتسمون؟ أو زوّج الأخوان الوكيلان أختهما لنفرين في وقت واحد مثلاً، وإلى غير ذلك من الأمثلة مما لا يخفى.

أقسام الجزاء

مسألة: من المعلوم أن المعتدي بشيء من التعديات ـ سواء في المرور وغيره ـ إذا خضع للقضاء يجازى بشيء، وذلك الشيء على أقسام:

1: إما إلهي كما في الأديان.

2: أو عقلاني كما عند من لا يأخذ بدين ويريد العدالة حسب عقله وعرفه.

3: أو سلطوي كما يفعله المستبدون.

ومن هنا اختلف ملاك التشخيص، وجنس الجزاء، وقدره.

وفي الإسلام جعل الجزاء: الحدود والتعزيرات، والقصاص والديات، والضمان والحرمان في الجملة.

ومن أمثلة الحرمان: قول الله سبحانه: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً)(35) أي: الذين يقذفون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فإنه حرمان عن قبول شهادتهم.

ومن أمثلته أيضاً: انه يحرم لمن زنا بالعمة والخالة الزواج من بنتهما فإنه نوع منه، وكذلك من فعل بغلام، أمه وأخته وبنته فإنه نوع حرمان، كما هو الظاهر.

وهكذا ما ورد من أن من فعل كذا فعليه عتق أو صيام أو إطعام، فإنه نوع من الضمان.

وكذلك الحج فيمن باشر زوجته في الحج، والتفريق بينهما من حيث الجماع في حج الكفارة.

إلى غير ذلك، مما يطلع عليه من له إلمام بالفقه.

الجزاء على ماذا؟

مسألة: الجزاء على التخلفات مطلقاً ـ والبحث أعم من المرور وغيره ـ إنما هو على ضربين:

1: قد يكون للتخلف عن حق الله.

2: وقد يكون للتخلف عن حقوق الناس.

ويبنى الجزاء في الإسلام على ما قرره الله سبحانه وتعالى، سواء على لسان أنبيائه (ع) أم أوصيائهم (ع)، وذلك كما في القرآن الحكيم، والسنة المطهرة.

ولو فرض عدم وجود شيء فيهما على نحو الجزئية والتشخيص، لا مثل دية القتل كذا، وحد السرقة كذا، فإنه يوجد فيه على سبيل الكلية، المكشوفة بالإجماع أو العقل ما يعيّن جزاءه، فإن أدلة الأحكام هي هذه الأمور الأربعة المذكورة، وذلك مثل دليل (لا ضرر)، وقاعدة (الأهم والمهم)، وغير ذلك.

 

1 ـ سورة البلد: 10. 

2 ـ سورة الإنسان: 3. 

3 ـ سورة العصر: 1-3. 

4 ـ سورة المعارج: 19. 

5 ـ سورة الأحزاب: 72. 

6 ـ سورة المدثر: 38. 

7 ـ سورة الطور: 21. 

8 ـ سورة الأعلى: 14. 

9 ـ سورة الشمس: 9 ـ 10. 

10 ـ سورة ص: 28. 

11 ـ سورة القلم: 35. 

12 ـ سورة ص: 28. 

13 ـ سورة الجاثية: 21. 

14 ـ سورة التوبة: 103. 

15 ـ سورة طه: 76. 

16 ـ سورة فاطر: 18. 

17 ـ سورة آل عمران: 164. 

18 ـ راجع الكافي: ج2 ص294 ح5، وفيه: «ما عمل أحد عملا إلا رداه الله ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر». 

19 ـ سفينة البحار: ج2 ص603 مادة: نفس، الطبعة القديمة. 

20 ـ سفينة البحار: ج2 ص603 مادة: نفس، الطبعة القديمة. 

21 ـ سورة التوبة: 71. 

22 ـ سورة آل عمران: 110. 

23 ـ سورة آل عمران: 104. 

24 ـ نهج البلاغة: الخطبة 3. 

25 ـ سفينة البحار: ج2 ص630 مادة: نهى، الطبعة القديمة. 

26 ـ سفينة البحار: ج2 ص630 مادة: نهى، الطبعة القديمة. 

27 ـ سفينة البحار: ج2 ص630 مادة: نهى، الطبعة القديمة. 

28 ـ سفينة البحار: ج2 ص630 مادة: نهى، الطبعة القديمة. 

29 ـ سورة المائدة: 38. 

30 ـ سورة يونس: 27. 

31 ـ سورة الشورى: 40. 

32 ـ سورة النور: 2. 

33 ـ سورة الحديد: 25. 

34 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج10 ص222 ب21 ح11900. 

35 ـ سورة النور: 4.