الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

قاعدة نفي الحرج

مسألة: قد ذكرنا في الأصول مسألة الضرر، وبقي أن نذكر هنا مسألة الحرج، حيث إن العمل إذا كان حرجياً وهو واجب فتركه، أو حرام ففعله، هل فيه إثم أم لا، وهل فيه القضاء والكفارة والتوابع كالضمان وما أشبه أم لا؟

الظاهر أنه لا إثم فيه لرفع الحرج، وأما الأحكام الوضعية من القضاء وغيره، فسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى.

العسر والحرج لغةً واصطلاحاً

مسألة: العسر مثل الحرج، ولا يبعد أن يكون الفرق بينهما:

إن الحرج نفسي والعسر بدني إذا ذكرا معاً، فمن يتعب ـ أكثر من المقدار المتعارف ـ من الحركة في الشمس يكون عسراً عليه، ولذا جاز له الاستظلال في الحج(1)، بينما البنت التي احتلمت وكان غسلها أمام أهلها مثار سوء الظن الشديد، وهي حيية يكون غسلها حرجاً.

نعم كل واحد منهما يطلق على الآخر عند الانفراد.

بين أدلة التكليف ولا حرج

لا يقال: بين دليل (لا حرج) ودليل التكليف عموم من وجه، فلماذا تقدمون دليل نفي الحرج على دليل سائر التكاليف في مورد الاجتماع؟

لأنه يقال: للأدلة الأربعة، التي بعضها مطلقة وبعضها في مورد الاجتماع، والمطلقة بقرينة ما في مورد الاجتماع يكون دليلاً على التقديم.

هذا مضافاً إلى ما ذكر في «الأصول»: من أنه لو قدم دليل التكليف لم يبق لدليل الحرج مورد، فيكون معناه: اللغوية، كما ذكرنا مثل ذلك في كل الأدلة الثانوية بالنسبة إلى الأدلة الأولية، والتي منها (لا ضرر)(2) وقاعدة (الأهم المهم)(3) و(التقية) المستفادة من الأدلة الأربعة، إلى غير ذلك من القواعد الثانوية.

أدلة لا حرج

أما بالنسبة إلى الأدلة، فهنا ننقل كلام (مفاتيح الأصول) حيث ذكر كثيراً منها، مما يغنينا عن غيره، وإن كان في بعض المذكورات نظر، كما إنه قد ترك بعض الأدلة الأخر التي يمكن التمسك بها للمقام، قال ما يلي:

اتفاق الأصحاب:

منها: ظهور اتفاق أصحابنا عليه.

لا يقال: لا نسلم ذلك، فإن جمعاً من أعيان الأصحاب كالسيد والشيخ وغيرهما اختاروا في الفقه مذاهب مستلزمة للعسر والحرج جداً.

لأنا نقول: ليس ذلك مستلزماً لمنع أصل القاعدة، لجواز أن يكون ظاهرهم مستنداً إلى أدلة خاصة، أو جمع تخصيص القاعدة.

ومن الظاهر أن هذا لا يقدح في صحة القاعدة، وإلا لارتفع الوثوق بكثير من القواعد التي تطرق التخصيص إليها، وبطلان التالي في غاية الوضوح، والمرجع فيما ذكرنا هو: إلى أن العام المخصص حجة في الباقي.

الإجماع المنقول:

ومنها: ظهور عبارة المختلف في دعوى الإجماع على ذلك، وقد صرّح به السيد الأستاذ فقال في جملة كلام له: وأما على العموم فلإجماع المسلمين على أن الحرج منفي في هذا الدين.

آية نفي الحرج:

ومنها: ما تمسك به في المعتمد والمختلف والإيضاح والمدارك وحاشية الروضة وكشف اللثام ومصنف السيد الأستاذ وغيرها من قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)(4).

ومنها: قوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)(5).

آية نفي العسر:

ومنها: ما تمسك به في حاشية الروضة وكشف اللثام ومصنف السيد الأستاذ وغيرها من قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(6).

حديثا: السماحة ولا ضرر:

ومنها: ما تمسك به في المختلف وجامع المقاصد والذخيرة وحاشية الروضة وغيرها من النبوي (ص) المرسل: (لا ضرر ولا ضرار)(7).

ومنها: ما تمسك به في المختلف ومصنف السيد الأستاذ وغيرهما (والمراد به صاحب الحدائق) من النبوي (ص) المرسل: (بعثت بالحنيفية السمحة السهلة)(8).

حنيفية الدين:

ومنها: ما تمسك به السيد الأستاذ فقال: لقوله(ع): (دين محمد (ص) حنيف)(9).

لا تكليف بما لا يطاق:

ومنها: خبر هشام ـ الذي عد صحيحاً ـ عن أبي عبد الله (ع) قال: «إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون»(10).

ومنها: خبره الآخر ـ الذي عد صحيحاً ـ عن الصادق (ع) قال:

«ما كلف الله العباد ما لا يطيقون، وإنما كلفهم في اليوم والليلة خمس صلوات، وكلفهم في كل مائة درهم خمسة دراهم، وكلفهم صيام شهر رمضان في السنة، وكلفهم حجة واحدة، وهم يطيقون اكثر من ذلك إنما كلفهم دون ما يطيقون»(11).

لا يقال: غاية ما يستفاد من هذا الخبر انتفاء التكليف عند عدم الطاقة والقدرة، وهو ليس محل الكلام، فالرواية من أدلة امتناع التكليف بالمحال.

لأنا نقول: الظاهر صدق عدم الطاقة والقدرة حقيقة في صورة التعسر ولزوم الحرج.

ليس الدين بمضيّق:

ومنها: خبر أبي بصير عن الصادق (عليه الصلاة والسلام) وقد عد من الموثق: «قال: قلت: إنا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فتكون فيه العذرة، ويبول فيه الصبي، وتبول فيه الدابة وتروث؟

فقال: إن عرض في قلبك منه شيء فقل هكذا، يعني أفرج الماء بيدك، فإن الدين ليس بمضيق فإن الله عز وجل يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(12) »(13).

التوسعة في الدين:

ومنها: خبر محمد بن علي الحلبي عن الصادق (ع) وقد عد موثقاً قال: «ما أمر الله العباد إلا بوسعهم، وكل شيء أمر الناس فهم متسعون، وما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم»(14).

أقول: مراده (عليه الصلاة والسلام) من (لا خير فيهم) إن كثيراً من الناس لا يقبلون كلام الله فيرتكبون المحرمات.

حديث المرارة:

ومنها: حسنة عبد الأعلى: «قال: قلت لأبي عبد الله(ع): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟

قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(15)»(16).

توسعة الله على العباد:

ومنها: الخبر الذي عد موثقاً: «إنما يصام يوم الشك من شعبان ولا يصومه من شهر رمضان، لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك وإنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى، وبما قد وسَّع على عباده ولولا ذلك لهلك الناس»(17).

من مصاديق نفي الحرج:

ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: «سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟

قال: إن كانت يده قذرة فليهرقه، وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(18)»(19).

ومنها: خبر محمد بن الميسر قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان؟

قال: يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)»(20).

ومنها: خبر فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع) قال: «في الرجل الجنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء، فقال: لا بأس، (ما جعل عليكم في الدين من حرج)»(21).

احب الدين إلى الله:

ومنها: ما عن الصدوق في النهاية، قال: «سئل علي (عليه الصلاة والسلام) أيتوضأ من فضل وضوء جماعة من المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟

فقال: لا بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فإن أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة»(22).

الدين يأمر بالوُسع:

ومنها: خبر حمزة الطيار عن أبي عبد الله(ع): «ما أمروا بدون سعتهم، وكل شيء أمر الناس به فهم متسعون له، وكل شيء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم»(23).

ما أيسر التكليف؟:

ومنها: ما في الحرز اليماني المنسوب إلى أمير المؤمنين(ع): «فما أيسر ما كلفتني به من حقك»(24).

لم يكلّفنا إلا وسعاً:

ومنها: ما في الصحيفة السجادية في دعاء التحميد: «فما هكذا كانت سنّته في التوبة لمن كان قبلنا، لقد وضع عنا ما لا طاقة لنا به، ولم يكلفنا إلا وسعاً ولم يجشمنا إلا يسراً، ولم يدع لأحد منا حجة ولا عذراً»(25).

رفع الضرر المظنون:

ومنها: ما تمسك به في (المعتبر) و(الحبل المتين) و(حاشية جمال الدين الخونساري) فقالوا: «لأن رفع الضرر المظنون واجب عقلاً».

سيرة العقلاء:

ومنها: إن العقلاء يقبحون سيداً يكلف عبده بتكليف شاق فيه حرج وعسر، ويلومونه على ذلك، ولولا عدم جواز ذلك عقلاً لما صح منهم ما ذكرناه.

وفي (جامع المقاصد): يقبح التكليف حينئذ.

وفي (مجمع الفائدة) الضيق منفي عقلاً.

من مستلزمات قاعدة اللطف:

ومنها: ما تمسك به السيد الأستاذ فقال: ولأن التكليف بما يفضي إلى الحرج، مخالف لما عليه أصحابنا من وجوب اللطف على الله سبحانه، فإن الغالب أن صعوبة التكليف المنتهي إلى حد الحرج، يبعّد من الطاعة ويقرّب من المعصية بكثرة المخالفة، ولأن الله تعالى أرحم بعباده وأرأف من أن يكلفهم بما لا يتحملونه من الأمور الشاقة، وقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)(26).

ثم قال: والنظر إلى الأدلة وحسن التأمل فيها آية ورواية مقتضٍ لذلك، انتهى كلامه رفع مقامه.

 

1 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب الحج، وكتاب (جامع مناسك الحج) و(مناسك الحج) للإمام المؤلف (دام ظله). 

2 ـ راجع (رسالة في قاعدة لا ضرر) للإمام المؤلف. 

3 ـ راجع موسوعة الفقه: كتاب القواعد الفقهية، مبحث قاعدة الأهم والمهم. 

4 ـ سورة الحج: 78. 

5 ـ سورة المائدة: 6. 

6 ـ سورة البقرة: 185. 

7 ـ الكافي: ج5 ص280 ح4. 

8 ـ راجع الكافي: ج5 ص494 ح1، وفيه: «بعثني…». 

9 ـ الكافي: ج3 ص395 ح8. 

10 ـ الكافي: ج1 ص160 ح14. 

11 ـ راجع التهذيب: ج4 ص153 ب1 ح9. 

12 ـ سورة الحج: 78. 

13 ـ مستدرك الوسائل: ج1 ص188 ب3 ح310، ووسائل الشيعة: ج1 ص120 ب9 ح14. 

14 ـ راجع التوحيد: ص347. 

15 ـ سورة الحج: 78. 

16 ـ الكافي: ج3 ص33 ح4. 

17 ـ الكافي: ج4 ص82 ح6. 

18 ـ سورة الحج: 78. 

19 ـ تهذيب الأحكام: ج1 ص38 ب3 ح42. 

20 ـ الكافي: ج3 ص4 ح2. 

21 ـ الكافي: ج3 ص13 ح7. 

22 ـ من لا يحضره الفقيه: ج1 ص12 ح16. 

23 ـ راجع الكافي: ج1 ص165 ح4. 

24 ـ البلد الأمين: ص346. 

25 ـ الصحيفة السجادية: الدعاء 1. 

26 ـ سورة البقرة: 286.