الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

حدود الدولة العباسية وثروتها ونفقاتها

للدولة العباسية عصران يختلف أحدهما عن الآخر اختلافاً عظيماً:

العصر الأول: وفيه بلغت الدولة العباسية قمة مجدها وأنشأت التمدن الذي نحن في صدره وفيه أدركت ثروة الدولة الإسلامية أعظم ما بلغت إليه في عصر من العصور وعليها مدار الكلام في هذا الكتاب.

والعصر الثاني: ويعبّرون عنه بعصر التقهقر أو الانحطاط يبتدئ بخلافة المعتصم سنة 218هـ وينقضي بانقضاء الدولة العباسية من بغداد.

العصر العباسي الأول من سنة 132 إلى سنة 218هـ

سبب قيام هذه الدولة

رأيت فيما تقدم أن العصر الأموي يمتاز بتعصّب أهله للعرب واحتقارهم سائر الأمم وخصوصاً الشعوب التي كانت تحت سلطانهم في البلاد التي دانت لهم في مصر والشام والعراق وفارس وخراسان وغيرها وفيهم القبط والنبط والروم والسريان والكلدان والفرس والترك والسودان وغيرهم حتى الذين أسلموا منهم، فأصبحت تلك الأمم تئن من معاملتهم وزادها نفوراً ما كانوا يتخذونه من العنف في تحصيل الخراج وأصبحوا يودون الخروج من حوزتهم وينصرون كل من دعا إلى خلعهم وخصوصاً الموالي فإنهم باعتناقهم الإسلام خسروا أراضيهم ومنازلهم، وأصبحوا مطالبين بالذهاب إلى الحرب لحماية الدولة، فكان بنو أمية يخرجونهم إلى القتال مشاة بلا رزق ولا فيء، فقام الدعاة ضدهم وأكثرهم من أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) وفيهم العلويون من نسل الإمام علي (عليه السلام) ابن عم النبي (صلّى الله عليه وآله) والعباسيون من نسل العباس عمه، وكان الخراسانيون من أكثر الناس نقمة على بني أمية للأسباب التي قدمناها، فأخذوا بيد العباسيين وقائدهم أبو مسلم الخراساني، ولما نهضوا نهض معهم كل المسلمين غير العرب في كل أنحاء المملكة الإسلامية فضلاً عن أهل البلاد غير المسلمين، فدارت الدائرة على بني أمية وتأيّد العباسيون فجعلوا عاصمتهم في العراق بالقرب من نصرائهم. وعرف العباسيون علّة سقوط بني أمية فتجنّبوا الوقوع في مثلها، فاتخذوا الجند والأعوان من الفرس واستبقوا الجند العربي أيضاً من ربيعة ومضر رغبة في المحافظة على العصبية العربية لأنها عماد الإسلام، ولم يكونوا يستطيعون التوفيق بين العنصرين لأنهم سيقوا بطبيعة الأمور إلى الاختلاط بالفرس والتزيي بألبستهم من القلانس ونحوها جعلوا ذلك فرضاً واجباً عليهم، وأول من أخذ الناس بلبسه المنصور سنة 153 فأمرهم بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول فقال أبو دلامه:

وكنا نرجو من إمــام زيــــادة***فزاد الإمام المصطفى في القلانس

نراها على هام الرجــال كأنها***دنان يهـــــودٍ جللــــت بالبرانـــس

على أن غضب العرب لم يغير شيئاً من مجاري الأمور فاتخذ الخلفاء أمهات أولاد من الفرس أولدوهن أولاداً تولوا الخلافة وفيهم ميل فطري إلى العنصر الفارسي، وازداد هذا العنصر تغلّباً في بلاط الخلفاء بما اتخذوه من الوزراء ورجال الشورى منهم كالبرامكة وغيرهم، وكان الفرس يبذلون جهدهم في خدمة الدولة العباسية بنصح وصدق نية لأن في قيامها صلاح بلادهم لكن هؤلاء أيضاً انجرفوا عن الإسلام حتى أن المنصور أراد أن يستبدل الكعبة بما يقوم مقامها في العراق وتكون حجاً للناس فبنى بناءً سمّاه القبة الخضراء تصغيراً للكعبة وقطع الميرة في البحر عن المدينة فاتخذ العرب ذلك حجة على العباسيين وأظهروا البيعة لمحمد بن عبد الله من آل علي (عليه السلام) وخلعوا بيعة المنصور وقد أفتى لهم بذلك مالك بن أنس الإمام الشهير، وكان بنو أمية في الأندلس قد قطعوا دعوة بني العبّاس بعد أن دعوا لهم مدة قصيرة عند دخول عبد الرحمن بن معاوية. واستقل عبد الرحمن بالأندلس لبعدها عن دار الخلافة. ثم استولى محمد بن عبد الله على المدينة فخافه المنصور وبذل قصارى همه في قتله ولم يستطع ذلك إلا بعد العناء الشديد.

فكان مما قاساه المنصور من عواقب إهماله الحرمين عبرة لخلفائه فلما تولى ابنه المهدي أكرم أهل الحرمين وكسا الكعبة كسوة جديدة وفرق هناك مالاً عظيماً جاء به معه من العراق مقداره 30.000.000 درهم وجاءه وهو في المدينة 300.000 دينار من مصر و 200.000 دينار من اليمن ففرقها كلها وفرق 150.000 ثوب ووسع المسجد واتخذ حرساً من الأنصار عددهم 500 رجل حملهم معه إلى بغداد وأقطعهم الأرضين وأمر بحفر نهر الصلة بواسط وأحيا ما عليه من الأرضين وجعل غلته لصلات أهل الحرمين والنفقات هناك وأصبح إكرام الحرمين على هذه الصورة سُنّة في بني العباس في أثناء حجهم أو عند طلب البيعة لأولادهم فإن الرشيد حج سنة 186هـ ومعه أبناؤه الأمين والمأمون فلما وصل المدينة أعطى فيها ثلاثة أعطية عنه وعن ولديه. وفعل نحو ذلك في أهل مكة وبلغ ما فرّقه 1.05.000 دينار، وكتب هناك كتاباً بولاية العهد للأمين وآخر للمأمون ووضع الكتابين في الكعبة وأصبحت النفقة على الحرمين من جملة نفقات الدولة الضرورية.

وعاد شأن العرب إلى الظهور والخلفاء يرون ذلك ضرورياً لتثبيت أقدامهم في الملك، ولما تولى المعتصم سنة 218هـ واصطنع الأتراك والفراعنة ازداد العرب احتقاراً في عيون أهل الدولة وتقاصرت أيديهم عن أعمالها حتى في مصر فإن آخر عربي تولاها عنبسة بن إسحاق الضبي سنة 238هـ وأراد المعتصم أن يستغني عن بلاد العرب جميعاً وكان قد بنى سامراء بقرب بغداد وأقام فيها جنده فأنشأ فيها كعبة وجعل حولها طوافاً واتخذ منى وعرفات، غرّ به أُمراء كانوا معه لما طلبوا الحج خشية أن يفارقوه فأصبح لفظ (عربي) مرادفاً لأحقر الأوصاف عندهم. ومن أقوالهم: (العربي بمنزلة الكلب اطرح له كسرة واضرب رأسه) وقولهم: (لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به) وأصبح الأمراء والوزراء وسائر رجال الدولة من الفرس والترك والديلم وغيرهم وصار الخلفاء يؤيدون مناصبهم بالأجناد وبذل المال وقلّت العناية بالعرب وأحزابهم.

وفي عصر العباسيين استبدلوا العصبية العربية بالأعاجم واحتاجوا في اصطناعهم أو استخدامهم إلى المال وانخرطوا هم في سلكهم بواسطة الأمهات. ثم أصبح الأعاجم من الفرس والترك والديلم والصغد والفراعنة وغيرهم يتسابقون إلى الاستئثار بالنفوذ بواسطة المال كما سترى.

ثروة الدولة العباسية

في العصر العباسي الأول

الثروة الإسلامية لم تنضج إلا في هذا العصر وعليه سيكون مدار كلامنا. وتقاس ثروة الدولة المالية بما يبقى في بيت مالها من دخلها بعد النفقات.

الثروة في أوائل الدولة

فالخليفة الأول أبو العباس السفاح لم يحكم إلا أربع سنوات (من سنة 132 ـ 136هـ) قضاها في الحروب ولم يجمع مالاً، ولما مات لم يجدوا في بيته إلا تسع جباب وأربعة أقمصة وخمسة سراويل وأربعة طيالسة وثلاثة مطارف خز، وأما المنصور فإنه حكم 22 سنة (136 ـ 158هـ) وكان رجلاً شديد الحرص على المال واختزانه، فلما مات خلّف في بيت ماله 600.000.000 درهم و 14.000.000 دينار وبتحويل هذه الدنانير إلى دراهم باعتبار الدينار 15 درهماً وهي قيمته في ذلك العصر تقريباً كان مجموع ما خلّفه المنصور 810.000.000 درهم.

وقد كان يصرف المال في مصالح نفسه وأهله فإنه بذل لجماعة منهم في يوم واحد 10.000.000 درهم، وثروة المنصور قد تعَدُّ قليلة بالنظر إلى ثروة الرشيد فقد خلّف في بيت المال عند وفاته (سنة 193هـ) 900.000.000 درهم ونيفاً ومدة حكمه نحو مدة حكم المنصور غير ما أنفقه الرشيد وما بذله وأسرف فيه.

وجاء الهادي ولم يحكم إلا سنة وبعض السنة ويروى من فرط سخائه أنه أعطى عبد الله بن مالك أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها. ولما مات الرشيد سنة 193 تنازع ولداه الأمين والمأمون على الخلافة وتحاربا، وكان الأمين في بغداد وقد أتته أمه زبيدة بخزائن الرشيد أبيه، والمأمون في خراسان ودامت الحرب بينهما بضع سنوات أنفق الأمين في أثنائها كل ما كان في بيت المال مع ما أنفقه في خاصته، لأنه انقطع في أثناء خلافته إلى اللهو والخمر وبذل الأموال في طلب الملهين وضمّهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن أخوته وأهل بيته وقسم الأموال والجواهر في خواصه من الخصيان والنساء.

على أن ادخار المال أصبح بعد الخلفاء الراشدين من الأمور المألوفة عند ملوك المسلمين في الممالك والعصور. قيل إن عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس الشهير (تولى سنة 300 ـ 350هـ) جمع في بيت ماله إلى سنة 340هـ نحو 20.000.000 دينار وكانت جباية الأندلس في أيامه 5.480.000 دينار ومن السوق والمستخلص 765.000 ديناراً لجملة 6.245.000 دينار ما عدا أخماس الغنائم فإنها كانت كثيرة، وكان الناصر ينفق على جنده ثلث هذا المال فقط وقد بالغ ابن خلدون في مقدار ما خلفه الناصر في بيت المال فجعله 5.000.000.000 دينار ولم يذكر ذلك جزافاً ولا خامر كلامه شك بل هو حولها إلى الوزن فكانت على تقديره 500.000 قنطار.

جغرافية مملكة الإسلام في عصر المأمون

حدودها

يحدّها من الشرق أرض الهند وبعض الصين وبحر فارس، ومن الغرب مملكة الروم، ويعبر عن تلك الحدود الآن بالبحر الأسود وآسيا الصغرى وبحر الروم والروس والبلغار، ومن الشمال بلاد السرير والخزر واللان في آسيا وجبال البيرينيه في أوروبا، وفي خارطة هذه الأيام بلاد سيبيريا وبحر قزوين وبحر الروم، ومن الجنوب بحر فارس وما يلي مصر من بلاد النوبة وتقسم هذه المملكة إلى عدة أعمال تختلف مساحتها ونسبتها بعضها إلى بعض باختلاف الدول والأزمنة وسنُبيّن ما كانت عليه حوالي عصر المأمون نقلاً عن جغرافيي العرب في تلك الأيام وخصوصاً الاصطخري وابن حوقل وابن الفقيه. تقسم إلى سبعة وعشرين إقليماً منها سبعة في المغرب وعشرون في المشرق وهي:

أقاليم المغرب

ديار العرب

بحر فارس

ديار المغرب

الشام

بحر الروم

الجزيرة

أقاليم المشرق

العراق

خوزستان (الأحواز)

فارس

كرمان

مكران

طوران

السند

أرمينية

آذربيجان

بلاد الران

الجبال

الديلم

طبرستان

جرجان

قومس

مغارة خراسان

سجستان

خراسان

ما وراء النهر

خوارزم

وإليك وصف كل من هذه الأقاليم بما يمكن من الإيجاز:

ديار العرب

وهي جزيرة العرب يحيط بها بحر فارس من عبادان ـ وهو مصب ماء دجلة في البحر ـ فيمتد على البحرين حتى ينتهي إلى عمان ثم ينعطف على سواحل مهرة وحضرموت وعدن حتى ينتهي إلى سواحل اليمن إلى جدة ثم يمتد إلى مدين حتى ينتهي إلى أيلة، فهم يريدون ببحر فارس كل ما يحيط ببلاد العرب من المياه ولكنهم يعبرون عن الجزء الممتد من باب المندب إلى أيلة ببحر القلزم وهو البحر الأحمر.

ويحدّها من الغرب الشمالي براً بلاد الشام وفلسطين بخط منحن يمتد من أيلة إلى البحيرة المنتنة فالشراة فالبلقاء فأذرعات وسلمية فالخناصرة إلى الفرات إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة فالكوفة إلى البطائح فواسط إلى عبادان.

وتقسم ديار العرب إلى الحجاز، وفيه: مكة والطائف والمدينة واليمامة وضواحيها. ونجد الحجاز المتصل بأرض البحرين، وبادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام، واليمن المشتملة على تهامة ونجد اليمن وعمان ومهرة وحضرموت وبلاد صنعاء وعدن وسائر ضواحي اليمن.

بحر فارس

ويُراد به عندهم كل البحار المحيطة ببلاد العرب من مصب ماء دجلة في العراق إلى أيلة فيدخل فيه ما نعبر عنه اليوم بخليج فارس وبحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر وخليج العقبة ولا يهمنا وصفه في هذا المقام.

ديار المغرب

يراد بها في اصطلاحهم كل سواحل أفريقيا الشمالية وراء حدود مصر غرباً ويدخل في ذلك (1) برقة (2) أفريقية وهي تونس (3) تاهرت في الجزائر (4) طنجة والسوس وزويلة في مراكش.

أما برقة فهي مدينة وسط واقعة في مستوى من الأرض خصبة يطيف بها البادية يسكنها طوائف من البربر وبينها وبين أفريقية مدينة طرابلس الغرب وهي من عمل أفريقية مبنية من الصخر ويليها المهدية ثم تونس وهي كبيرة خصبة ثم القيروان وهي عاصمة أفريقية وأكبر مدينة فيها واقعة في البر. وكذلك تاهرت فإن عاصمتها تاهرت، ومن مدنها أيضاً سجلماسة وهي بعيدة في الصحراء، ويجعلون الأندلس جزءً من بلاد المغرب لأنها كانت تابعة لها عند فتحها والأندلس (اسبانيا) مملكة كبيرة عاصمتها قرطبة وحدودها معروفة، ومن أشهر مدنها جيان وطليطلة وسرقصطة ولاردة ووادي الحجارة وترجالة وقورية وماردة وباجة وغافق ولبلة وقرمونة واستجة ورية، وعلى سواحلها شنترين ومالقة وجبل طارق وغير ذلك.

مصر

وحدود مصر في تلك الأيام مثل حدودها اليوم تقريباً ويلحقون بها البجة والنوبة إلى حدود البحر الأحمر فالعقبة.

الشام

ويراد بها سوريا على العموم وتقسم إلى سبعة أقسام: جند فلسطين. 2 ـ جند الأردن. 3 ـ جند حمص. 4 ـ جند دمشق. 5 ـ جند قنسرين. 6 ـ العواصم. 7 ـ الثغور.

فجند فلسطين أول أجناد الشام غرباً يحده من جهة مصر رفح ومن الشمال اللجون وفيه يافا وأريحا وبيت لحم وغزة وللشراة والبحيرة المنتنة وغوربيان ونابلس وكانت قصبة فلسطين الوصلة ويليها في الكبر بيت المقدس.

وجند الأردن قصبته مدينة طبرية.

وأما جند دمشق فقصبته مدينة دمشق وهي أعظم مدن الشام على الإطلاق وهي معروفة.

وأما جند حمص فقصبته مدينة حمص وهي مشهورة ويتبعها انطرطوس وسلمية بطرف البادية وشيزر وحماه وكانتا صغيرتين.

وجند قنسرين قصبته حلب وهي مشهورة إلى اليوم وكان لها شأن كبير لوقوعها في طريق العراق إلى الثغور والعواصم، ومن مدنها مدينة قنسرين وهي صغيرة ومعرة النعمان.

وأما العواصم فيراد بها أعالي الشام وراء حلب إلى الإسكندرونة وقصبتها أنطاكية وهي تلي دمشق بالنزاهة، وكانت عاصمة الشام على عهد الروم وكان عليها سور ضخم للغاية قيل إن دوره للراكب يومان، ومن مدن العواصم بالش على ضفة الفرات ومنبج في البرية.

أما الثغور فهي ما وراء العواصم إلى حدود جبل طورس في آسيا الصغرى ومن مدنها الشهيرة سميساط على الفرات وملطية وهي أكبر الثغور وحصن منصور ومنها الحدث ومرعش وزبطرة والهارونية والمصيصة وأذنة وطرسوس، وقد يدخلون الثغور في العواصم ويطبقون عليها جميعاً اسم العواصم، والمراد بالثغور عندهم المدن الواقعة على الحدود بينهم وبين الروم ولذلك كان عندهم ثغور شامية أي الحدود مما يلي الشام وحدود جزرية أي الحدود مما يلي الجزيرة.

والجزيرة بلاد خصبة جداً مثل بلاد العراق، ومن أشهر مدنها الموصل على دجلة من جهة الغرب وسنجار في وسط البرية بديار ربيعة ليس في الجزيرة بلد فيه نخل مثلها، ونصيبين وكانت أنزه بلد في الجزيرة، ودارا وهي صغيرة، ورأس عين مدينة مستوية الأرض في دار مضر وآمد في أعالي دجلة وجزيرة ابن عمر على دجلة أيضاً ومن مدنها على الفرات الرقة وقرقيسيا والحديثة وهيت، وفي أواسطها أيضاً حران وهي مدينة الصابئين، والرها وهي قديمة مشهورة بالمدارس والعلوم أيام السريان، وسروج مدينة خصبة كثيرة الأعناب.

وفي الجزيرة مفاوز يسكنها قبائل من ربيعة ومضر تقيم ربيعة في الشمال الشرقي ومضر في الجنوب الغربي وقد كانوا هناك قبل الإسلام، وهم أهل خيل وغنم وإبل على أنهم متصلون بالقرى والمدن فهم بادية حاضرة، وتكريت آخر حدود الجزيرة على دجلة وكان أكثر أهلها نصارى.

العراق

وهو القسم الجنوبي من بين النهرين وما يجاوره، طوله من تكريت على دجلة من الشمال إلى عبادان على بحر فارس في الجنوب وعرضه من قادسية الكوفة في الغرب إلى حلوان في الشرق، ومحيطه إذا بدأنا من تكريت نسير شرقاً إلى شهرزور ثم جنوباً شرقياً إلى حلوان فالسيران والصيمرة فحدود السوس إلى عبادان ثم ينعطف إلى البصرة ومنها صعداً نحو الشمال والغرب في البادية على سواد البصرة وبطائحها إلى الكوفة ثم على الفرات إلى الأنبار ومن الأنبار شمالاً إلى تكريت، ويسمى ما بين دجلة والفرات السواد. هذه حدود العراق إبان التمدن الإسلامي وهي تختلف عن حدوده الآن وخصوصاً أن مجاري الأنهر تغيرت، وأشهر مدن العراق بغداد وهي قصبته وعاصمة المملكة الإسلامية إبان مجدها بناها المنصور. والبصرة وهي مدينة عربية بناها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب وللبصرة بطائح سيأتي تاريخها في موضع آخر. وواسط مدينة عربية أيضاً بناها الحجاج في وسط السواد، والكوفة غربي الفرات وهي من بناء العرب، ومن مدن العراق النهروان شرقي دجلة على نهر اسمه النهروان جفّ الآن، وحلوان في آخر حدود العراق شرقاً وكانت مدينة كبيرة بقرب الجبل، والحيرة قرب الكوفة والإبلّة قرب البصرة.

خوزستان

هي شرقي العراق بينها وبين فارس يحدها من الشمال كور الجبال ومن الشرق فارس وأصبهان ومن الغرب العراق ومن الجنوب خليج فارس عاصمتها مدينة الأحواز (الأهواز)وإليها تُنسَب خوزستان فيقال لها الأحواز (الأهواز) وتقسم إلى كور أولها كورة الأحواز، ثم جندي سابور والسوس وتستر ورامهرمز وسرق وعسكر مكرم، وقصبة كل كورة المدينة المسماة باسمها.

بلاد فارس

وهي واقعة بين خوزستان في الغرب وكرمان في الشرق ويحدها شمالاً أصفهان وبادية خراسان ومن الجنوب والغرب بحر فارس. وتقسم بلاد فارس إلى خمس كور أكبرها كورة اصطخر قصبتها اصطخر ثم كورة اردشير خرة وقصبتها جور وفيها أيضاً مدينة شيراز وهي عاصمة بلاد فارس وبها دواوينها ودار الإمارة، ثم كورة دار أبجرد وكورة ارجان قصبتها مدينة ارجان ثم كورة سابور وهي أصغر كور فارس وفيها مدينة كازرون، ومن بلاد فارس بقاع يقيم فيها قبائل من الأكراد يزيدون على مائة حي يتعيشون بالمرعى والحرث في بقاع يقال لها رموم، ويقدر عدد بيوت تلك القبائل في بلاد فارس وحدها بنحو 500.000 بيت ينتجعون المراعي في المشتى والمصيف على مذاهب الحرب، وقد يكون في البيت الواحد من الأرباب والأجراء والرعاء نحو عشرة رجال فإذا اعتبرنا معدل الرجال في كل بيت خمسة كان عدد الرجال الأكراد 2.500.000 رجل وباعتبار ما يلحقهم من النساء والأولاد يزيد عددهم على عشرة ملايين.

(كرمان) هي أكبر من فارس واقعة بين فارس في الغرب ومكران وسجستان في الشرق ويحدها من الشمال مفازة خراسان ومن الجنوب بحر فارس وأشهر مدنها الشيرجان وبم وجيرفت وهرموز.

(مكران) هي شرق كرمان وإلى شرقيها طوران وبعض بلاد السند وفي الشمال سجستان وبلاد الهند وفي الجنوب بحر فارس وهي أكبر من كرمان ومن مدنها التيز وكيز ودرك ورسك.

(طوران) هي أصغر من فارس واقعة بين مكران في الغرب وبلاد السند في الشرق والشمال وبحر فارس في الجنوب وأشهر بلادها محالي وكيز كانان وقصدار.

(السند) والسند آخر حدود مملكة الإسلام في الشرق وأشهر مدنها المنصورة وهي بلسان الهنود (برهمانا باذ) ومنها الديبل على شاطئ البحر والملتان وغيرها، أما المنصورة فإنها واقعة على خليج من نهر مهران يحيط بها في شبه الجزيرة وأهلها مسلمون.

ويطلق الاصطخري على مكران وطوران والسند اسم السند.

(أرمينية) هي في أعالي مملكة الإسلام فوق الجزيرة تحدها من الشرق آذربيجان والران ومن الغرب بلاد الروم (في آسيا الصغرى) ومن الشمال جبال القبق (القوقاس) ومن الجنوب الجزيرة قصبتها دبيل وفيها دار الإمارة والنصارى بها كثيرون، ومن مدنها خلاط وأرزن وقاليقلا وميافارقين ويعدها بعضهم من الجزيرة وهكذا فعلنا.

(آذربيجان) هي شرقي الجزيرة يحدها من الغرب الجزيرة وأرمينية ومن الشرق بحر الخزر وبلاد الديلم ومن الشمال بلاد الران ومن الجنوب كور الجبال، عاصمتها مدينة أردبيل وفيها العسكر ودار الإمارة طولها ميلان في ميلين ويلي أردبيل بالكبر مراغة وكانت قبلاً دار الإمارة وتليها أرومية على شاطئ بحيرة الشراة، ومن مدنها سلماس ومرند وشيز.

(بلاد الران) هي شمالي آذربيجان يحدها من الشرق بحر الخزر ومن الغرب أرمينية ومن الشمال جبل قبق ومن الجنوب آذربيجان أكبر مدنها مدينة برذعة ثم تفليس والهاب ومنها بيلقان والشاوران وغيرها.

(الجبال) يراد بالجبال بلاد فارس وهي تقسم إلى كور أشهرها ماه الكوفة وهي الدينور وماه البصرة وتسمى نهاوند، ويحد الجبال من الشرق مفازة خراسان وفارس ومن الغرب العراق والجزيرة ومن الشمال آذربيجان والديلم والري وقزوين ومن الجنوب خوزستان والعراق، وهي تشتمل على مدن مشهورة أعظمها همدان والدينور وماسبذان وأصبهان وقم وقاشان ونهاوند واللور والكرج وقزوين وشهر زور وحلوان، مساحة همدان فرسخ وكان لها سور أبوابه من حديد، والدينور ماه الكوفة نحو ثلثيها، وأصبهان مدينتها بينهما ميلان، وماه البصرة واقعة على جبل بناؤها من طين، وحلوان مدينة في سفح الجبل المطل على العراق، وشهر زور قريبة من العراق، وقزوين في أعالي فارس وهي ثغر بلاد الديلم، وقم مدينة عليها سور وهي خصبة، وقاشان مدينة صغيرة.

(الديلم) هي جبال مطلة على بحر الخزر (بحر قزوين) يحدها من الجنوب قزوين وبعض آذربيجان ومن الشمال بحر الخزر ومن الشرق قرمس ومن الغرب آذربيجان. وأهل الديلم صنفان سكان الجبال وسكان السهول ومن توابعها الري وأبهر وزبخان والطالقان وقزوين والدويان.

(طبرستان) وهي تلي الديلم شرقاً واقعة على بحر الخزر أيضاً يحدها من الشرق جرجان ومن الغرب الديلم، أكبر مدنها آمل وهي مركز الولاية وسارية وهي بلاد كثيرة المياه ودماوند.

(جرجان) هي شرق طبرستان وشماليها يحدها من الشمال تركستان ومن الجنوب قومس ومن الشرق خراسان ومن الغرب بحر الخزر، أكبر مدنها مدينة جرجان وهي أكبر من آمل، ثم استراباد في الجنوب ودهستان على شاطئ البحر.

(قومس) هي جنوبي جرجان وطبرستان وهما يحدانها من الشمال، وأما من الجنوب والشرق فحدودها مفازة خراسان ومن الغرب تحدها بلاد الري قصبتها مدينة الدامغان.

(مفازة خراسان) هي بادية واقعة في أواسط بلاد المشرق يحدها من الشمال قومس ومن الجنوب بلاد فارس وسجستان ومن الشرق سجستان وخراسان ومن الغرب الجبال وهي أقل من بادية العرب سكاناً.

وبعض هذه المفازة تابع لخراسان والبعض الآخر تابع لفارس وكرمان وهي وعرة ويصعب سلوكها بالخيل لقلة الماء فيها.

(سجستان) هي واقعة في شمالي مكران يحدها من الشرق مفازة بينها وبين السند، ومن الجنوب مكران ومن الشمال أرض الهند ومن الغرب مفازة خراسان.

أكبر مدنها زربخ وبست والطاق وغيرها.

(خراسان) هي من أخصب بلاد المشرق وأوسعها يحدها من الشرق الشمالي ما وراء النهر ومن الشرق الجنوبي بلاد السند وسجستان ومن الشمالي خوارزم وبلاد الغز في تركستان، ومن الجنوب مفازة خراسان وفارس، ومن الغرب قومس، وتقسم خراسان إلى كور أعظمها نيسابور ومرو وهرات وبلخ يليها كورقوهستان وطوس ونساوابيورد وسوخس واسفزار وبوشج وبازغيس وكبخ دستاق ومروروذ وجوزجان وطخارستان وزم وآمل.

عاصمة خراسان مدينة نيسابور وهي أعظم مدنها جميعاً وتسمى أيضاً أبوشهر واقعة في أرض سهلة أبنيتها من طين سعتها فرسخ في فرسخ.

ومدينة مرو وتعرف بمرو الشاهجان وهي قديمة البناء، ومدن خراسان كثيرة وبلادها آملة وتربتها خصبة وقد كان للمسلمين فيها ارتفاع عظيم.

(ما وراء النهر) هي آخر بلاد الإسلام شمالاً شرقياً يحدها من الشمال بلاد تركستان وبلاد الهند ومن الغرب الجنوبي خراسان يفصل بينهما نهر جيحون ومن الشمال الغربي خوارزم ومن الجنوب طخارستان، وهو من أخصب أقاليم الإسلام وأنزهها وأكثرها خيراً، وأشهر نواحيها بخارى وسمرقند وكش ونخشاب وبيكند والساغانيان وفرغانة والسفد والشاش واشروسنة وخوجند.

(خوارزم) ويعدها الاصطخري تابعة لما وراء النهر فإنها مستطيلة الشكل تمتد على ضفاف نهر جيحون في الشمال، يحدها من الشمال بحر خوارزم ومن الجنوب خراسان وبلاد الصفد وتحدق بهذا الإقليم المفاوز من الشرق والغرب، قصبته مدينة خوارزم.

ومجموع جباية الدولة العباسية في أيام المأمون نحو 400 مليون درهم ما عدا الأموال والغلات مما لا نعلم حقيقة قيمته وإذا أعدت النظر فيه رأيته شيئاً كثيراً، والعادة في تقدير الجباية أن تقدر هذه الغلات بما تساويه من النقد ويضاف مبلغها إلى مبالغ النقد كما فعل صاحب جراب الدولة في غلات السواد ومعظمها في الأصل من الحنطة وكما سترى في تفصيل خراج طساسيج السواد بقائمتي قدامة وابن خرداذبه.

وقد تقدم أن الجباية التي كانت ترد إلى بيت المال في بغداد إنما هي ما تحصل منها في الأقاليم بعد دفع أموال الجند ونفقات الجباية وإصلاح الري ونحو ذلك من نفقات الأقاليم ولم يبق على هذا المال إلا نفقات الدواوين في بغداد للخليفة ووزرائه وكتابه ورجال بطانته.

وهذا مما لم نسمع بمثله في الدول قديماً ولا حديثاً ـ إلا إذا اعتبرنا ما أورده بعضهم إجمالاً بطريق العرض عن دولتي الروم والفرس ـ فقد قال (جبن) مؤرخ الدولة الرومانية: إن جباية هذه الدولة إبان سطوتها ومعظم سعتها تساوي نحو 400.000.000 درهم منها 135.000.000 درهم من آسيا (الصغرى) وذكر ابن خروازبه أن جباية مملكة الفرس في أيام كسرى برويز بلغت 420.000.000 مثقال أو نحو 720 مليون درهم، فإذا سلمنا بصحة هذه الأرقام أعوزنا الاطلاع على طريقة الإنفاق عندهم إذ ربما كانت تستغرق معظم هذه الجباية بخلاف الدولة العباسية، أما ما خلا هاتين الدولتين فالفرق بين جبايتها وجباية هذه الدولة عظيم جداً، فالدولة العثمانية بلغت معظم سعتها في أيام السلطان سليمان القانوني في أواسط القرن العاشر للهجرة ولم يزد ارتفاع جبايتها في أيامه على 8.000.000 دوكات أو نحو 650.000.000 فرنك. فأين ذلك من جباية الدولة العباسية فإنها تزيد على أضعافه، وقس على ذلك دول هذه الأيام باعتبار ما يبقى في صندوقها كما سيأتي ولنتقدم إلى الكلام في الجهات التي كانت تنفق فيها هذه الأموال.

نفقات الدولة العباسية

لم نر في ما كتبه المؤرخون القدماء في العربية نصاً يتعلّق بهذا الشأن، على أننا توفّقنا بهمة البارون فون كريمر إلى قائمة تشمل ما اشترطه أحمد بن محمد الطائي على نفسه أن يقدمه من ضمانه إلى بيت المال، وفيه ما كان ينفقه بيت المال في بغداد في السنين الأولى من خلافة المعتضد العباسي (سنة 279هـ) وقد عين فيه مقدار المال اللازم لكل فئةٍ من فئات الموظفين الذين تدفع رواتبهم من بيت المال وجملة ذلك 2.500.000 دينار في السنة تدفع باعتبار كل يوم سبعة آلاف دينار تفرق في الجند وموظفي الدواوين والخدم وغيرهم، ولا يخفى أن النقود في أيام العباسيين كانت تساوي ثلاثة أضعاف ما تساويه اليوم على الأقل وكانت توضع في بيت المال تحت تصرف الخليفة واجتهاده يستخدمها في الجهات التي يريدها أو يتراءى له أن فيها مصلحة للدولة.

ومن القضايا البديهية أن مثل هذه الثروة لا تتأتى إلا إذا كان الدخل كثيراً وكانت النفقة قليلة.