(كان حسينياً وأباً للحسينيين)

لما انتشر نبأ وفاة الإمام الشيرازي في محيط المستشفى الذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة ضجت القاعة بالعويل. وأول صرخة ارتفعت من ذاك الجو الرهيب نداء: واحسين. مات أبو الحسينيّين جميعاً. وله مع جده الشهيد الإمام الحسين (عليه السلام) قصة طويلة تبدأ من رحم أمه، ولا تنتهي بوفاته.. فيوم كان جنيناً في بطن أمه، كانت أمه تأخذ يومياً شيئاً من التربة الحسينية للشفاء والبركة..

لقد كانت النهضة الحسينية تجري في عروقه، وكان الحسين (عليه السلام) يحتل كل خلايا تفكيره..

وكيف لا. هو فرع تلك الشجرة الطيبة، سليل ذلك الإمام الشهيد. وقبس من تلك الشعلة الوهّاجة.

لقد ترعرع الإمام الشيرازي في مدينة كربلاء حيث تخيّم روح الإمام الشهيد، ونمى في جوّ أسرة لم ينقطع فيها مجلس التعزية على أبي عبد الله ولو ليوم واحد، ولقد كان والده يقرأ مصائب جده بنفسه صباح كل يوم في منزله (لمن حضر من أفراد العائلة وأحياناً لنفسه فقط).

وما أكثر تلك الأربعينات التي كان يتلو فيها الإمام الشيرازي (زيارة عاشوراء) المعروفة في حرم الإمام الحسين في زمان معين ومكان معين.

ولقد نذر نفسه لخدمة القضية الحسينية، فكان يدعم ويشجع كل ما يرتبط بالإمام الشهيد. من مجلس، وعزاء، وكتاب وشعائر. وإطعام وموقف.. الخ.

ومع أن كربلاء ـ كانت دائماً (مركز الدائرة) في الشعائر الحسينية. ولكن الإمام الشيرازي زادها مركزية، وإشعاعاً، وانطلاقاً.

فكان يدعم كل مجلس حسيني وكل خطيب حسيني، ويشجع كل خطوة حسينية لقد حمل بحق راية عاشوراء.. في كربلاء، ثم حمل راية كربلاء إلى العالم كله، لقد حمل تلك الراية معه إلى الكويت.. فأنشأ في كل منزل وديوانية مجلساً حسينياً، (بينما كانت المجالس الحسينية مقتصرة على المناسبات ـ وفي الحسينيات فقط) وبنى فيها عشرات الحسينيات، وأشاع (الثقافة الحسينية) في كل مكان.

ولم يكتف بذلك، بل وانطلق براية الحسين إلى آفاق الأرض، وأقام الحسينيات في كل مكان من بيروت إلى لندن إلى واشنطن.. الخ.

وكان يجيز صرف سهم الإمام في كل أمر حسيني بلا تردد.

ولقد أبدع في بعض الخطوات حيث أنه جعل (الاطعام) العام عادة جارية في عاشوراء، وأخرجه من مجرد إطعام للمعزّين في داخل الحسينيات. لكي يصبح عاماً للجميع فأسس هيئة خدمة أهل البيت (عليه السلام) وهم الذين يعدّون الطعام في يوم عاشوراء لعشرات الألوف من الناس في كل من قم وطهران وغيرها من المدن.

ولقد كانت مشاركته الشخصية في أحزان عاشوراء معروفة للجميع فقد كان يخرج في كربلاء يوم عاشوراء بدون رداء، ولا حذاء، إظهاراً للحزن على جده الحسين (عليه السلام) مع انه كان المرجع الأول في المدينة.

وكان يبكي في مصاب الحسين بدموع غزيرة، ولا يضع القلم على الأرض إلا يوم عاشوراء، وكان يوصي أصحابه بالتزام زيارة عاشوراء، والتوسل بالإمام الحسين في حاجاتهم.

* في بداية مجيئه إلى الكويت ـ زار مع جمع من الكويتيين حسينية جزيرة (الفيلكة) (وهي جزيرة تبعد عن مدينة الكويت مسافة ساعتين بالزورق) ولدى عودتهم هاج بهم البحر هياجاً عظيماً حتى كانوا قاب قوسين من الغرق أو أدنى.. وحين كان الكل في رعب وخوف وذهول.. أخذ الإمام الشيرازي شيئاً من التربة الحسينية ورماها في البحر.. وما هي إلا دقائق حتى هدأ البحر.. وقد اشتهرت هذه القصة في حينها في الكويت. كما ذكرها الإمام الشيرازي في خطبته بالمسجد آنذاك.

ولقد كان النصير الأول للشعائر الحسينية، بل أنه جاهد، وتحمل، وضحى بالكثير في سبيل الابقاء على شعلة هذه الشعائر متوهجة في كل مكان.

ولقد كان بحق أب الحسينيين جميعاً.

وقبل أن يموت أوصى أهله وأخاه عدة مرات. بأن يدفن جثمانه أمانة حتى يفتح طريق كربلاء، ثم ينقل إليها ليدفن بجوار قبر الإمام الحسين (عليه السلام).

وحملت أكف الحسينيين جنازة زعيمهم، الإمام الشيرازي من حسينية منزله حناجرهم تنادي واحسين واحسين.. واحيسن. في ضجة وبكاء عارمين.

وكتبت الأدعية والأذكار على كفنه بماء التربة الحسينية، وعلى صدره المبارك نقشت أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين بتربة الشهيد المظلوم.

ترى هل مات أبُ الحسينيين حقاً؟ كلاّ أنه لم يمت، ولن يموت. فهو حي مع كل حسينية أنشأها. ومجلس أسسه، وخطيب ربّاه، وكتاب نشره، ومؤسسة أقامها، وراية رفعها، وسيبقى حياً في وجدان كل حسيني ثائر.

إنه خالد بخلود القضية الحسينية، والشعائر الحسينية، والراية الحسينية.

لقد رآه صهره في المنام في ليلة العشرين من صفر (ليلة الأربعين الحسيني) من هذا العام رأى الإمام الشيرازي قائماً على قبر الحسين والملايين زاحفة نحو القبر للزيارة. وهو قائم عند صندوق القبر وإحدى يديه على الصندوق كالقيم عليه، والأخرى تعطي الناس شارة البركة.

ولما نقل الرؤيا للإمام الشيرازي في صباح الأربعين. قال خير إن شاء الله. لعل الباري يوفقنا لكي نجعل القضية الحسينية قضية أممية.

وكان ذاك أمله منذ خمسين عاماً.

ومن أشد المدافعين عن أهل البيت (عليهم السلام)

كان قلب الشيرازي ينبض بحب أهل البيت، وقلمه يكتب في فقههم. ولسانه ينطق بقولهم. ويده تعمل من أجلهم..

كان يأمل لو اتيحت له الفرصة فهدى المخالفين جميعاً إلى ذلك الينبوع الغزير. وأرواهم من حب أهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء شارك في تأسيس (رابطة النشر الإسلامي) والتي وزّعت أكثر من مليون نسخة من الكتب الداعية لنهج أهل البيت، ومذهبهم في شتى أنحاء الأرض مجاناً.

وفي هذا الاتجاه أسس فيها عدة مجلات خاصة بأهل البيت (عليهم السلام)، منها (صوت العترة) و(ذكريات المعصومين) وكم له من كتاب ومحاضرة وقصيدة في علوم أهل البيت وفضائلهم وسيرتهم المنيرة.

وجدّد ـ في كل مناسبة ميلاد أو وفاة إمام ـ ذكرى المعصومين (عليهم السلام) بالإعلام الواسع وبالاحتفالات الجماهيرية، وكان من أهمها احتفالات ميلاد الإمام أمير المؤمنين في الثالث عشر من شهر رجب من كل عام. حيث كان يقام أعظم احتفال جماهيري شهده تاريخ العراق.

والذي كان له أعظم الأثر في إيقاف المدّ الشيوعي وصده في العراق (تفصيل ذلك الاحتفال الجماهيري يحتاج إلى كتاب خاص).

إن احتفالات كربلاء بميلاد الإمام علي (عليه السلام) في رجب لازالت ماثلة في أذهان العراقيين رغم مرور نصف قرن على تعطيلها من قبل النظام العراقي..

وكذلك الاحتفالات التي كان يقيمها الإمام الشيرازي في النصف من شعبان في مدينة سامراء من كل عام بمناسبة ميلاد الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).

ولقد أحيا ذكر أهل البيت (عليهم السلام) في كل ما بناه من مؤسسات تعليمية وثقافية واجتماعية.

وكما كان عظيم الحب لأهل البيت (عليهم السلام) كان كثير التوسل بهم. خصوصاً في الأزمات والصعاب.. وعلى الخصوص كان يكنّ الحبّ والمودّة الشديدة لعظيم أهل البيت وسيدهم: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أكثر من إطلاق اسمه على مؤسساته وأكثر من الكتابة عن سيرته وأخلاقه.

كانت له علاقة خاصة بسيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد شرح خطبتها الشهيرة في عدة مجلدات تحت عنوان (من فقه الزهراء (عليها السلام)) وكان آخر ما كتبه صفحات عن سيدة نساء العالمين، وكان يكثر من ذكر (اللهم صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها عدد ما أحاط به علمك) كما كان يكثر من التوسل بها، ويوصي زوّاره بذلك..

وكان هدفه من السعي في بناء الحسينيات في كل مكان هو إحياء ذكر أهل البيت (عليها السلام)، وتجديد حبّهم في القلوب، بالإضافة إلى نشر هديهم، وعلومهم في المجتمع..

.. ويكفي الإمام الشيرازي فخراً.. أن أنصاره وأتباعه هم من أشد المدافعين عن خطّ أهل البيت (عليهم السلام) في كل مكان.

فهم حملة راية (الحسينيات) و(الشعائر الحسينية) و(الاحتفالات الجماهرية) في مواليد أهل البيت (عليهم السلام)...الخ.

وهم دائماً في مقدمة المواكب الجماهيرية. في كل مناسبة وفاة أو استشهاد.

فهم (الحسينيون) في عاشوراء(1)، و(العلويون) في رجب، و(المهدويون) في شهر شعبان.

وكانت له جهود مشكورة ومشهورة في قضية بناء قبور أئمة البقيع. (وتفصيل ذلك بحاجة إلى كتاب مستقل).

لقد كان الإمام الشيرازي غيوراً على كل قضية تتّصل بأهل البيت (عليهم السلام) فعندما كان في كربلاء. سمع أن مرقد الأئمة في سامراء خالٍ من الزوار في رمضان، جهّز قافلة يومية إليها، فكانوا ينطلقون من بعد صلاة الجماعة التي كان يصليها في الصحن الحسيني الشريف باتجاه سامراء ظهر كل يوم (مسافة أربعمائة كيلو متر ذهاباً وإياباً). حيث كان قد أعدّ لهم من قبل طعام الافطار. ثم يزورون مرقد الإمامين الكاظمين. ثم يرجعون إلى مواقعهم في كربلاء.

وكرّر العمل نفسه مع مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلال شهر رمضان المبارك، وقبل عشرين سنة سعى لابقاء حرم السيدة معصومة مفتوحاً طيلة ليالي شهر رمضان ولم تكن قبل هجرته إلى قم تفتتح طيلة الليل، وبقيت هذه العادة جارية حتى اليوم.

وقبل ثلاثين عاماً عندما بلغه أن كاتباًَ اعتقل لتأليفه كتاباً عن إيمان أبي طالب والد الإمام علي. باسم (أبو طالب مؤمن قريش) وأنه معرّض للإعدام. هبّ مدافعاً عنه، وعبّأ الحوزة العلمية في النجف وكربلاء، وناشد المنظمات الدولية، وبعث الوفود، ومارس ما استطاع من ضغوط لإطلاق سراحه. وتحقق ذلك فعلاً.. وكان يقول: إذا نجح المتعصبون لمثل هذا العمل الشنيع ولم نحرك ساكناً فهذا يعني الكارثة.

وبهذا الدافع الإيماني أحيا منطقة الزينبية في سوريا بالحوزة العلمية التي أسسها أخوه الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي، ورعاها هو من بعده.

وكل من يزور سوريا اليوم يشاهد بأم عينه النشاط الذي يدب في تلك المنطقة وما حولها. ويستطيع المقارنة بين الوضع الفعلي، وبين عقد مضى من قبله.

وكم من عالم اهتدى إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على يده مباشرة، أو عبر نشاطه الثقافي. مما لا يحصيه أحد إلا الله تعالى.

إن حبه للخير وإضماره الخير لجميع الناس. كان يدعوه إلى أن يدعوا الناس إلى هذا الخط. ليهدي أكبر عدد منهم إلى طريق الجنة.

ولقد أعطت جهوده في سوريا ـ بشكل خاص ـ ثمارها الطيبة المشهودة ولا تزال..

ولا ريب أن الأعوام المقبلة ستشهد المزيد من ثمرات نشاطه وسعيه المشكور بإذن الله.

ونصير الفقراء والمستضعفين

للفقراء والمستضعفين علاقة خاصة بالإمام الشيرازي، وله علاقة خاصة بهم يحبهم ويحبونه، ينصرهم، ويؤيدونه.. ذلك أنه كان يرعى شؤونهم، ويدافع عن قضيتهم، ويعطيهم من وقته وقلبه وماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً..

لقد رزق حبّ المساكين، وأُعطي محبة المستضعفين..

وكان الحب متبادلاً بينهما دائماً... ولذلك عجّت قم من أطرافهم عندما سمعت بموته، وخرجت عشرات الألوف من الناس تبكي نصير المستضعفين.. وله مع المستضعفين في كل مكان حل فيه قصة طويلة.. ولم يكن يقتصر على مجرد الدفاع عنهم. بل كان النصير العلني الأول لهم بلسانه. وقلمه. وماله. وعواطفه، ولم يكن يميز أحداً منهم بالهوية ـ فلم يكن يعترف بغير الهوية الإنسانية والإسلامية ـ فمادام فقيراً مستضعفاً فلابد من نصرته..

ولهذا السبب أحبه الفقراء والمساكين قلدوه في الفتوى، لقد ذهبت ـ مرة ـ إلى أبعد نقطة في قم أطراف مسجد جمكران ـ على تخوم الجبل، حيث يتوزع عدد من الفقراء المهاجرين من العراق وأفغانستان في زرائب معدة للماشية. ورأيت عندهم صوراً للإمام الشيرازي وعندما سألتهم عنه قالوا: هو مرجعنا، ولما سألتهم ومن أين عرفتموه قالوا: لأنه الوحيد الذي يصل إلينا عونه!

وعندما خرّب الزلزال المروع شمال إيران قبل عدة سنوات جمع بعض مقلديه من تجار طهران وألقى عليهم مسؤولية إيصال العون لهم بأقصى سرعة، وقال لهم بصراحة: لا تعتذروا: لا تعتذروا بكساد الأسواق ابعثوا لهم مئة مليون تومان فوراً وعلى وجه السرعة، اتقوا الله. إنهم في العراء بلا مأوى.

وعندما أخرج النظام العراقي عام 1980 عشرات الألوف من الناس من العراق بحجة أن أوصولهم إيرانية. تكفل باخراج الألوف منهم من المخيمات، وأسكنهم المدن.

ولقد بكاه اللاجئون الأفغان حين بلغهم نعيه كما لم يبكوا قتلاهم.. وأقاموا على روحه الفاتحة بما لم يقيموه على أي مرجع آخر.. وزاروا منزله باكين لاطمين لأنهم فقدوا أباهم الحنون حقاً.

فهو ـ في العراق ـ كان نصير الإيرانيين المهاجرين ممن اتخذ من المدن المقدسة ملجأً يهرب اليه من بطش الأنظمة الظالمة في إيران..

وهو ـ في إيران ـ كان نصير الأفغانيين والعراقيين المهاجرين.. ممن قذفتهم الحروب المستمرة في بلادهم إلى السهل الإيراني..

وكان دائماً ـ مع المظلومين ضد الظالمين ـ في أي لباس كانوا. وإلى أية هوية انتموا...

وكانت نصرته لهم شاملة. فلقد كان ينصرهم بالموقف والكلمة الصادقة.

ولم يكن ليرد مستضعفاً أو فقيراً، وكان يبذل تأييده الخطي لكل مشروع يهدف مساعدة المستضعفين، بالإضافة إلى ما كان يقدمه لهم من مساعدة شخصية مستطاعة.

وكان يبكي لمآسي المساكين منهم بدموع غزيرة..

فإذا جاء إليه أحدهم ـ وقص عليه مأساة عائلته بكى.. ثم راح يحدث زواره بتلك المأساة طيلة يومه ذاك. لقد كان حقاً على خطى علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في حب المساكين ودفاعه عنهم، وبكائه عليهم، ومساعدته لهم..

القرآن الكريم في حياة الإمام الشيرازي

ولد الإمام الشيرازي في ظل القرآن الكريم.

وعاش معه.

وجاهد من أجله.. حتى مات دونه.

فوالده الميرزا مهدي الشيرازي كان حافظاً للقرآن منذ شبابه وكان يعطر أجواء البيت بتلاوته جزء واحد أو أكثر من القرآن كل يوم بعد صلاة الصبح.

وفي شبابه كان قد أكب الإمام الشيرازي على حفظ وتلاوة القرآن في خلال شهر رمضان المبارك حتى أتمه. ولكنه أصيب بعطب دائم في حنجرته فمنعه الأطباء من التلاوة والكلام لفترة من الزمن وبقي ذلك العارض ملازماً له بشكل أو بآخر حتى أواخر أيام حياته..

وقد أسس مدارس لحفظ القرآن الكريم في كربلاء للبنين والبنات سميت بـ مدارس (حفاظ القرآن الكريم ـ وحافظات القرآن الكريم).

وقد أسس ـ في كربلاء المقدسة ـ مدرسة الكتاب والعترة لتدريس علوم القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) وكانت هذه المدرسة من خير معالم مدرسة الشيرازي وخطه.. انطلاقاً من قول الرسول الأعظم: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً.).

وكتب في توضيح وتفسير آيات الذكر الحكيم أربعة، طبع أحدها في ثلاثين جزءاً والآخر في ثلاثة مجلدات، ولا زال الباقي ومنه (التفسير الموضوعي للقرآن) مخطوطاً.

وفي الكويت كان يفسر القرآن في ديوانه ليلياً.

وفي قم كانت تتحول حسينية منزله إلى خلية نحل لتعليم القرآن لطلبة المدارس الرسمية.. كما رعى في حسينية منزله (هيئة القرآن الحكيم).

وفي شهر رمضان، وفي عصر كل جمعة. كانت حسينيته مركزاً لتلاوة الذكر الحكيم.. وفي بيته كان بنفسه يقرأ ـ مع أفراد عائلته ـ ختم سورة (الأنعام).

وكانت حياته كلها وقفاً لاحياء أحكام القرآن ودساتيره، وكان يدعو بالخصوص إلى تطبيق جميع أحكام القرآن الكريم في شتى المجالات. وخاصة ما يتعلق منها بالحريات العامة، والأخوة الإسلامية، والأمة الواحدة والشورى والتعددية.

وكان جهاده من أجل القرآن الكريم وهديه، ومات دون هذا الهدف المقدس.

المحاور الأساسية في فكر الإمام الشيرازي

ميزة الشيرازي أنه لم يكن مرجع الطائفة فقط بل كان مربياً لجيل، ومؤسساً لخط فكري واضح ومحدد في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..

وتلك ميّزة غير معهودة في أغلب مراجع التقليد قديماً وحديثاً..

ولا يمكننا في بضعة أسطر أن نلخص جميع أفكاره، بل ولا في كتاب واحد. وكيف يمكن تلخيص عشرات الكتب التي ألفها عن الإسلام، والمسلمين، والمجتمع الأفضل، والسبيل لانهاض المسلمين، والصياغة الجديدة لعالم الرفاه والحرية..الخ. ولكن لكل قائد نهضة أفكاراً اساسية سياسية من حولها تنبعث الأفكار والرؤى كما تتفجر الأنهار من منابع العيون..

فما هي أهم تلك الأفكار والرؤى؟

لقد شغل فكر الشيرازي منذ نصف قرن مسألة التخلف العميق في الأمة. وكان همه الأساسي: كيف يمكن إنهاض المسلمين؟ ولقد استخلص من جميع ما قرأ من نهضات الأمم ومما جرب شخصياً في شتى الظروف إن الحرية أساس التقدم في الأمم، وإن الديكتاتورية والاستبداد سرّ البلاء المبرم.. حتى ربّ العزة يمنع قطر السماء عندما يستولي على الحكم ظالم جبّار.. ولهذا السبب فإن الشيرازي دافع عن الحرية ـ بأوسع معانيها، وحارب الديكتاتورية بشتى أشكالها.. وتبريراتها، وتفريعاتها..

حتى نظريته ـ في شورى المراجع ـ كان تنبع من هذا الأصل الأساسي والذي كان يستند فيها إلى جملة كبيرة من النصوص الدينية، وإلى العقل والمنطق، وتجارب الأمم..

ثم إنه كان يركز ـ في جميع كتبه ومؤلفاته ـ حول (الأمة الإسلامية الواحدة) وكان يرى أن الظلم والعدوان الداخلي الناشئ من النعرات القومية والإقليمية كان دائماً أشد من الظلم والعدوان الخارجي، وإن لا خلاص للمسلمين إلا بالعودة إلى حصن الأمة الواحدة التي بناها رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وإلغاء الفوارق القومية واللغوية.. الخ. معتبراً أن ذلك ليس فقط سبباً للضعف الدنيوي بل وموجباً للسخط الإلهي... كما سخط الله على اليهود وقد فضلهم من قبل على العالمين.

ولهذا السبب ركّز الإمام الشيرازي على ضرورة بعث الأخوة الإسلامية في روح الأمة ووجد أنها وفي سن الدساتير والأنظمة والقوانين على أساسها. وإلغاء الحدود، والهويات، والجنسيات، والجوازات الخاصة بكل قبيلة وفئة وطائفة وكان يقول: ماذا يعني أن جبلاً واحداً أو سهلاً واحداً يعيش من فوقه جمع من البشر يحمل كل جزء منهم جوازاً خاصاً ـ وكلهم مسلمون!؟

على ضوء تلك المنطلقات بنى الإمام الشيرازي نظريته في (شورى الفقهاء المراجع) و(التعددية الحزبية في ظل النظام الإسلامي) و(الاقتصاد الحر) و(الدعوة السلمية إلى الإسلام) و(اللاعنف)..الخ.

تلك مجموعة فكرية متكاملة تستند على رؤية تاريخية ودينية عميقة، وتستهدف ليس فقط تحرير المسلمين من أسر الغرب والشرق، بل وانقاذهم من وهدة التخلف الفكري، وبناء أسس الحضارة الإسلامية المتميزة في العصر الحديث.

للمزيد من المعلومات عن فكر الإمام الشيرازي راجع ما كتبه عنه الدكتور أياد موسى في (دراسات في فكر الإمام الشيرازي) و(النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي) لغالب أيوب.

لقطات من أخلاق الإمام الشيرازي

أخلاق الإمام الشيرازي مضرب المثل للخاص والعام..

يعرفه الذين عاشروه في كربلاء ـ والكويت ـ وإيران، وسمع عنه من لم يلتق به كثيراً... حتى الذين عادوه ـ جهلاً ـ كانوا يعترفون له بحسن الأخلاق، وعظيم التواضع، كان بِشره في وجهه، وحزنه في قلبه، وسلامه للجميع، واحترامه للكل، وأخلاق الشيرازي مع أسرته ومجتمعه وخصومه كانت مستلهمة من أخلاق أجداده الطاهرين، وخاصة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لقد كان بعض أخلاقه طبعاً في ذاته، وبعضه تربية من والده المقدس الشهير بعظيم التقوى وحسن الأخلاق:

الميرزا مهدي الشيرازي.. وبعضه التزاماً وتعهداً.. ولا يسع المرء أن يحصي القصص من جميل أخلاقه، لأن النفس إذا اصطبغت بصبغة الإيمان والتقوى والتربية الصالحة.. تفجرت الفضائل من جوانبها، بلا تكلف.. ونحن هنا نستعرض بعض الجوانب الخلقية من شخصيته الفذة عبر نقاط.

من أخلاقه الكريمة: احترامه لجميع الناس، وخاصة لطلبة العلوم الدينية: فقد كان يقوم لأصغر طالب علم يزوره.. بل ولأي فرد كان يقوم بزيارته ولو من عامة الناس، وبقي على هذه العادة حتى نهايات عمره الشريف. إلى أن منعه الأطباء (بعد السكتة القلبية) من الإجهاد والقيام والقعود. وكان لهذا المظهر الخارجي مخبر داخلي هو تواضعه الجمّ في نفسه، وعدم شعوره بالاستعلاء على أحد.. لقد بلغ في هذه الصفة مبلغاً عظيماً.. إلى درجة أن زائره كان يشعر بنفسه وكأنه شخص عظيم، وما ذاك إلا للاحترام والتقدير الذي كان يلقاه منه، فقد كان يستمع له جيداً، ويبادله العواطف، والرأي. ويشيد بشخصيته ويشجعه على اقتحام الآفاق..الخ.

ومن أخلاقه الكريمة الشهيرة تواضعه.. وكان من تواضعه أنه اختار مجلسه في وسط الغرفة لا في صدرها.

فكان يجلس الزائر من فوق يده. ويجلس هو في الوسط، فكان جليسه هو المشرف عليه لا العكس، حتى في المجلس العام الذي كان يعقد في صحن داره كان يتوسط المجلس ولا يتصدره..

وعندما رجع من المستشفى بعد أن أجريت له عملية جراحية خطرة، وقد تماثل للشفاء. وأراد الاشتراك في المجلس العام وضع له كرسي خاص لعجزه عن الجلوس على الأرض ولكنه رفض ذلك، وقال: أفضل عدم الاشتراك في المجلس، من أن أجلس على كرسي خاص، وحولي العلماء جلوس على الأرض!!

ومن تواضعه أن أحداً لم يكن يسبقه بالسلام.. ويعرف أهل كربلاء جميعاً منذ أيام شبابه أنه كان البادئ بالسلام على من يلقاه، ولا يسبقه أحد إلى ذلك، ومن علائم تواضعه أنه لم يكن يشاكس جليسه، ولا يرفض لأحد طلباً، فإذا لم يكن يعجبه موقف أو كلام أو خصلة من جليسه التزم الصمت وأشعر جليسه بذلك، دون أن ينهره أو يجبهه.

وكان تواضعه سجية فيه، لا تكلفاً ولا تصنعاً.. وقد شمل كل وجوده. فنظراته هادئة لا حادة، والتفاتاته طبيعية لا مستفزة، ومشيته دائماً، (وهي من أقوى علائم التكبر أو التواضع عند الإنسان) مشية متواضعة ورزينة، وإذا سُئل عن مسألة وصادف أنه لم يكن يعلمها لم يكن يستنكف أن يقول:

لا أعلم. (علماً بأنه كان ذو اطلاع واسع، وإحاطة نادرة بالمسائل الشرعية، وقد كان يجيب عليها بسرعة وطلاقه).

وكنت تلمس صفة التواضع عنده حتى في نبرات صوته ـ رضوان الله عليه ـ وكانت هذه الصفة من أكبر أسباب حبّ الناس له، ذلك الحب الذي يبلغ درجة الوله عند بعض المحبين.

* ومن صفاته الكريمة أنه كان يجاري في حديث جليسه... يعرف هذه الخصلة الكريمة فيه كل من حضر مجلسه المتواضع في منزله، (وقد لا يعرف الكثيرون أن هذه الخصلة هي من الخصال الكريمة للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)) فقد كان مجلسه ـ أحياناً ـ يضم الخليط من الناس، وربما جرى الحديث من هنا وهناك، وأينما اتجه الحديث كان الإمام الشيرازي يتواصل مع صاحبه، دون أن يجبهه أو يسكته، وإذا أراد أن يوجّه للحاضرين كلمته، جارى جليسه بكلمة أو بقصة قصيرة, ثم بدأ حديثه الخاص.. بل ربما وجه كلام أحد جلسائه إذا نطق بكلام غير مقبول للحاضرين ظاهراً، ثم أخذ هو في الحديث..

* ومن كريم أخلاقه: تفقده للناس من حوله.. فلقد كان أعرف الأحبة بالأحبة بأخبارهم، ومشاكلهم، وأسفارهم، وأمراضهم.. الخ وقد كان يتفقد الجميع. ويسأل عن أحوال الأصدقاء والأحبة والأصحاب يوماً بيوم. فإذا غاب أحدهم سأل عنه، وإذا حضر تفقد أهله وأولاده، وإذا مرض عاده، وإذا قطعه زاره، وإذا استنصحه نصحه.. ولم يكن أحد ليلحقه بهذه الخصلة العجيبة، والتي تدل على احترامه للجميع، وحبه للجميع. وإضماره الخير للجميع.

* ومن أخلاقه الحميدة: سماحته وعفوه. لقد جهل بحقه البعض، ولم يعرف قدره الكثيرون، وراح بعضهم ضحية جهله وإغراء المغرضين والحاسدين.. ومرّت الأيام.. وظهرت مظلومية السيد للكثير ممن استغابه أو جهل عليه.. فكان يأتيه نادماً معتذراً ليبرء ذمته تجاه السيد في يوم الحساب.. ويعرف من حضر مجلسه أن الذين كانوا يأتونه للاعتذار كثير.. ولم يكن السيد الجليل يسمح لهم بالاستمرار في معذرتهم كي لا يرى ذلّ الانكسار في وجوههم. وكان يقول: استغفر الله تعالى. وأما حقي فقد أسقطته وعفوت عنك. ثم يبدأ بالسؤال عن أحواله وأوضاعه وشؤونه! وربما يشجعه على العمل والخدمة والانطلاق.

* ومن أخلاقه المثابرة على العمل. فقد كان يعمل أحياناً عشر ساعات متواصلة بلا ملل ولا كلل.. فإذا جلس للتأليف. وربما جلس ثمان ساعات متواصلة، وإذا جلس للحوار والاقناع جلس عدة ساعات متتالية، وإذا استقبل الناس. وقف لهم من الصباح الباكر حتى أذان الظهر دون أن يجلس على الأرض.. وهكذا. فمثلاً ـ ألف كتابه المعروف بـ (شرح الكفاية) في شهر رمضان المبارك وكان يجلس للتأليف من بعد طعام الإفطار حتى قبيل أذان الفجر. ولا يقوم من مجلسه إلا مرة أو مرتين لتجديد وضوءه..

* ومن جميل صفاته انه لم يكن متكلفاً أبداً.. يظهر على وجهه الرضا والغضب ويتكلم بعفوية وصدق، وتترقرق عيونه بالدموع إذا سمع موت صديق.. أو فراق حبيب، أو مرض قريب.. بل كان يتفاعل أحياناً حتى عندما يحدثه أحد أحفاده عن (رؤيا) حزينة رآها في المنام.

لقد رأيته يصلي على جنازة أحد أقاربه والعبرة تخنقه، ودموعه تنحدر على خدّه.

وكان شديد التفاعل مع قصص الكرامات والمعاجز التي كانت تنقل له عن الأئمة الطاهرين، وكذلك عن مصائبهم وفضائلهم، وربما اختنق بعبرته وهو يتحدث عن بعضها لجلسائه..

لقد رأيته مرة وهو ينقل حديث عائشة عندما جاءت إلى قبر رسول الله، فوقفت دونه، ثم قالت: وهنا اختنق الشيرازي بعبرته، ولم يستطع أن يكمل كلام عائشة! وبعد لحظات استجمع نفسه، وتابع قائلاً: وبصوت شجي (آجرك الله ـ يا رسول الله ـ في أخيك علي)، وأضاف الشيرازي: لقد كانت تدرك مبلغ حب الرسول لعلي، وعظيم مصيبته فيه.

الأيام الأخيرة في حياة الإمام الشيرازي

لم يكن يتعب أبداً.

ولم يكن ييأس أبداً.

وكان ينتظر الفرج العام في كل يوم..

إلا انه في الشهور الأخيرة من حياته كان يلمّح لبعض المقربين إليه قرب رحيله، وإليك فيما يلي بعض تلك التلميحات.

* كانت طموحاته كبيرة وعالية منذ أيامه الأولى في العراق، ولكنه في الأيام الأخيرة أصبحت بحجم الدنيا، مما كان يدل انه يعزم النزوح عنها إلى عالم آخر. بعد أن يلقي على أنصاره جميع همومه وأمانيه، كان يتمنى أن يهدي المسيحيين كلهم إلى الإسلام، والمخالفين كلهم إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).. وكان يقول: إن لم استطع تحقيق ذلك فعليكم بمواصلة السعي في هذا الطريق.

* في الشهور الأخيرة كانت الأحلام المشيرة إلى قرب رحيله تتوارد عليه من قبل أقاربه وخواصه، وكان الكثير منهم ينقل له الرؤيا شخصياً وبعض تلك الأحلام كانت واضحة جداً ولا تحتاج إلى تفسير. (وهذا بحاجة إلى كتاب خاص).

* قبل شهر من وفاته عندما زاره عالم من البحرين وقال له: سيدي أن بعض الغافلين لا يزال يجهل بحقكم أطرق برأسه هنيئة. ثم رفع رأسه وعيونه دامعة وقال: لا تمر الليالي والأيام إلا قليلاً حتى يكتشفوا الحقيقة.

* قبل رحيله بعشرة أيام جاءته إحدى بناته لتودّعه وتسافر إلى الكويت، وصادف أن سعل بقوة، فقالت له ابنته: خير إن شاء الله. فقال لها: لقد نودي عليّ بالرحيل.. فقالت: بعد عمر طويل إن شاء الله. فردّ عليها: ها هو عزرائيل صار يزورنا هذه الأيام..!

ولم تفهم ابنته مغزى كلامه إلا حين أُخبرت وهي بالكويت بأن أباها قد أصيب بجلطة دماغية مفاجئة.

في الليلة الأخيرة من حياته.. ليلة عيد الفطر ألقى خطاباً على جمهرة من النساء، فخصص كلامه في ثلاث نقاط: التقوى والموت والصبر.. ثم أوصاهم بعشرة وصايا دينية.

ولما وجد اللاقطة لم تصلح بعد (وكان بها خلل من قبل) خاطب المسؤول عنها قائلاً: ألا زالت اللاقطة كما هي، فمتى تصلح؟ فقال قريباً إن شاء الله. فرد عليه: أبعد موتي. قال: لا يا مولاي. بل غداً. فقال الإمام الشيرازي: إذن لن تنفعني بشيء!

* في أواخر أيامه زاره أحد مريديه المقربين من أصفهان ـ ممن كان يحب السيد ويحبه السيد أيضاً، يقول هذا: وجدت السيد وحده. فجلست عنده. فقال لي السيد: هل تعرف قراءة التعزية على فاطمة الزهراء (عليها السلام). فقلت له: لست محترفاً ولكنني أعرف ذلك. فقال اقرأ. فقرأت بضعة أبيات، وبكى السيد الشيرازي كثيراً وطويلاً.. ثم قال: إذا ألمت بك مشكلة مستعصية فتوسل بالصديقة الكبرى، وسترى الإجابة سريعاً.. لقد جرّبت ذلك عدة مرات.

وكان آخر ما كتبه صفحات عن الصديقة بعنوان (سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء).

* عندما فتّشوا قميصه الذي قبض فيه وجدوا فيه ورقة كتب عليها (إن دراسة علم الفقه تحتاج إلى الأمر الإلهي. محمد الشيرازي)، وكأنه يوصي أبناءه وأحفاده بذلك.

الرحيل إلى الله..

كان قد قضى معظم الليل في استقبال شهود هلال العيد، وبعد أن تواردت الأدلة والشهادات، وأعلن عن ثبوت الهلال، ثم ذهب ليلقي آخر محاضرة له في حياته.. ليرجع إلى غرفته الخاصة منهكاً، بعد أن أدى آخر رسالة في حياته، وحمل الناس رسالتهم، موصياً لهم بتقوى الله، وذكر الموت، والصبر في النائبات.

وكانت الساعة تشير إلى الثانية فجراً، عندما دقّت ساعة الرحيل إلى الله في حياته، فسقط في فراشه في جلطة دماغية، كان شاعراً بما حوله، إلا انه لم يكن يستطيع الكلام، وعندما أسرع ولده السيد محمد علي لإسعافه لحقته ابنته الصغيرة، (حفيدة الإمام الشيرازي) وهي ملتصقة بأبيها، وصارت تكرّر: بابا جدّو مريض.. بابا جدّو مريض.. وصار الإمام الشيرازي ـ وهو في تلك الحالة الصعبة ـ ينظر إليها ويبتسم (كما كانت عادته غالباً) ولكنّه لم يكن يستطيع الردّ، و بقيت تلك الابتسامة الأخيرة في حياته منطبعة في ذهن أولاده.

بعد أن اجتمع حوله بعض ذويه، وقرّروا نقله إلى المستشفى، وحضرت سيارة الإسعاف، حملوه في البطانية، وقبيل الخروج من الباب أخرج يده من البطانية بصعوبة وإصرار، وأشار إلى ذويه الذين اجتمعوا حوله وودّعهم بيده الكريمة.

ورغم أنه كان قد خرج إلى المستشفى عدة مرات، وفي أحداث مشابهة إلا انه في هذه المرة فقط ودّع أهله وبهذه الطريقة.

وفي المستشفى راح في غيبوبة طويلة، لم يعد منها أبداً.

وهكذا رحل الإمام الشيرازي إلى ربه مبتسماً راضياً، لقد ترجّل فارس الجهاد، والنهضة، والعمل الصالح عن صهوة جواده، بعد أن أتعب خيله في ميادين النضال ضد الطغاة والجبابرة، وضد عوامل الجهل والتخلف والفساد في الأمة.

رحل القلب الكبير الذي احتضن الأمة وقضاياها.. وأفرغ على الضعفاء والمستضعفين خالص عواطفه النبيلة.

رحلت تلك العيون الوديعة الجذّابة.. بعد أن جرت دموعها سخية وطويلة على مصائب أهل البيت (عليهم السلام) وعلى رزايا هذه الأمة وما جرت عليها من ويلات ومحن.

رحلت تلك اليد المعطاء.. والتي انتجت أكثر من 1250 كتاباً، وكانت قد سبقته إلى الله أعصاب أصابعه التي شلّ بعضها ما أمسكت بالقلم طيلة نصف قرن من الزمن، رحلت تلك اليد التي لم تبسط كفها إلى بيعة الظالمين، ولا إلى ظلم المستضعفين، وكانت دائماً في خدمة المظلومين المضطهدين.

ورحلت تلك الخطى التي سعت إلى أوطان تعبدها طائعة. في إقامة صلاة الجماعة في أوقاتها، ومساعدة الفقراء في أوطانها، وإلى الأعمال الصالحة في مظانّها.. بعد سعي طويل.

رحلت تلك الروح الحسينية الأبية التي عصت على المتكبرين.. بعد طول تحمل وعذاب، وغصص واكتئاب... وبعد أن تحملت من الصدمات والرزايا ما تعجز عن حمله الجبال الراسيات..

رحلت تلك الروح الكبيرة العالية. التي سجنت في قالب الجسد المادي وبين جدران منزله عشرين عاماً تقريباً..

رحلت إلى ربها حيث الآفاق الوسيعة اللامتناهية..

رحل الإمام الشيرازي إلى ربه العزيز الغفار.. وارتاح من هذه الدنيا الفانية واتعابها. ومن جيفة تصارع عليها الكلاب والمستكلبون.

رحل الإمام لشيرازي إلى العالم الآخر بعد أن قدم لنفسه من الأعمال الصالحة ما تعجز عن إحصائها الأقلام. من مراكز دين أسسها، ومساجد بناها، وحسينيات أرساها، وكتب علم نشرها. وطلبة دين ربّاها، وطلاب حق هداها، وشبّان زوّجها، وعوائل فقيرة ساعدها.. الخ.

رحل الخلق العظيم، والفكر القويم، والهمة العالية، رحل إلى ربه موفوراً بخير، مفلحاً منجحاً، وراضياً مرضياً.

وترك وراءه أمة تندبه ليل نهار، وتترحم عليه ليل نهار، وتستغفر له ليل نهار، وتزور مرقده ليل نهار، وتستفيد من علمه وعطائه ومؤسساته ما شاء الله من ليل ونهار.

كما ترك وراءه ثلّة من ظالميه ينتظرون جزاءهم في الدنيا، وفي يوم الحساب ممن عاداه، وآذاه، وآذى عائلته وأولاده، وأعوانه، وأنصاره، بالأيدي والألسن. بالتهمة الكاذبة، والغيبة المحرمة، وبالسجن والحصار، والمصادرة، وبشتى أنواع الأذية التي هم بها من العارفين.

فعلى الشيرازي صلوات الله ورحمته ورضوانه كرّ الليالي والدهور، وعلى أعدائه وظالميه ما يستحقون.

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

عاشوراء: ذكرى مقتل الحسين (عليه السلام)، ورجب ذكرى ميلاد الإمام علي (عليه السلام). كما أن شعبان هو شهر ميلاد الإمام الحجة المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

رجوع