بسم الله الرحمن الرحيم

الإمام الشيرازي، نظرة عامة

* الإمام محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي ولد في مدينة النجف الأشرف في الخامس عشر من ربيع الأول عام (1347هـ).

هاجر مع والده إلى كربلاء المقدسة عام 1356. وتسلّم فيها قيادة الحوزة العلمية بعد رحيل والده عام 1380 وعمره في الثالثة والثلاثين.

هاجر من مدينة كربلاء عام 1390هـ إلى الكويت وعاش بها تسع سنين ثم هاجر إلى إيران عام 1399 حيث استقر في مدينة قم المقدسة وذلك بإصرار من العلماء والمراجع الكبار، حتى قبض فيها يوم الاثنين 2 شوال عام 1422هـ (17 ديسمبر عام 2001م)، وعمره في الخامسة والسبعين وخمسة أشهر ونصف شهر (رضوان الله عليه).

* ترك أكثر من ألف ومائتين وخمسين كتاباً، وآلافاً من المؤسسات الخيرية والهيئات الدينية، وربّى أجيالاً من العلماء العاملين، وخلف نهجاً فكرياً متميزاً، وسيرة طيبة، وذكريات لا تنسى من الأخلاق الرفيعة.

* يتحدّر من أسرة الشيرازي العريقة التي سكنت العراق قبل قرن ونصف، والمعروفة بالعلم والجهاد والمرجعية فجده المرجع الأعلى للطائفة قبل قرن الميرزا محمد حسن الشيرازي صاحب نهضة التبغ الشهيرة ضدّ الاستعمار البريطاني في إيران، وخاله المرجع الأعلى للطائفة أبان الحرب العالمية الأولى الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد (ثورة العشرين) العراقية.

وابن عمّ والده المرجع الأعلى للطائفة بعد الحرب العالمية الثانية الميرزا عبد الهادي الشيرازي.

والده آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي زعيم الحوزة العلمية بكربلاء المقدسة.

أخوه الشهيد السعيد: آية الله السيد حسن الشيرازي ـ مؤسس الحوزة العلمية الزينبية.

إطلالة عامة على شخصية الإمام الشيرازي

آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي نادرة من نوادر التاريخ الشيعي، في شخصيته، وسيرته، وفكره، وآثاره.. ومع مرور الأيام سوف تتجلى جوانب العظمة في هذه الشخصية الفريدة.. وينمو الأثر الذي تركه على الناس عاماً بعد عام، فهو في الدرجة الأولى مؤمن شديد الإيمان بالله واليوم الآخر.. متدين شديد المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)، وكان زاهداً في زخارف الدنيا ومباهجها.. ثم هو مرجع للفتوى، وزعيم ديني، من الطراز الأول.

ولكنه لم يكن ذلك فقط، بل كان زعيماً جماهيرياً يحرك الناس باتجاه ما يؤمن به من أهداف. وله كل صفات الزعماء من الشجاعة والإقدام والعبقرية.. الخ.

والى جانب ذلك كان كاتباً ومؤلفاً ـ ترك من الآثار ما تعجز عن تصديقه الأذهان: أكثر من ألف كتاب!

وكان ـ الإمام الشيرازي ـ مفكراً صاحب رأي وتحليل ونظرية في شتى جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد صدرت عدة كتب عن منهجه الفكري في الآونة الأخيرة.(1)

وكان الإمام الشيرازي ـ مثالاً للأخلاق، وصانعاً لأمة حتى كان يقول أعداؤه وخصومه: لا تزوروه فإنه يسحر الناس بأخلاقه!.

وأخيراً كان الإمام الشيرازي أباً نموذجياً لأولاده وجداً لا يُنسى لأحفاده. يحتفظ كل واحد منهم معه بعشرات المواقف والقصص الجميلة. محبوباً لديهم إلى درجة أنهم لا يتركون مزاره ليلاً إلا لكي يأتوه نهاراً ولا نهاراً إلا لكي يأتوه ليلاً.. يكادون لا يصدقون موته حتى بعد مرور أربعين يوماً على وفاته.

كل من عاشر الإمام الشيرازي فترة من الزمن، كانت تتجمع لديه قصص لا تنسى من كريم أخلاقه، وحسن سيرته، وجميل صفاته.. حتى أنه ما زاره أحد إلا وأحبه، ولا عاشره أحد إلا وصادقه ولا عرفه أحد من قريب إلا وأكبر فيه الروح العالية، والأخلاق العظيمة.

شخصية نادرة، ذات أبعاد متعددة، من يطّلع على موسوعته الفقهية التي جاوزت المائة والخمسين مجلداً قد يتصور أن صاحبها مجرد (فقيه) ولا غير.

ومن ينظر إلى كتبه ومؤلفاته يراه صاحب نظرية فكرية للنهوض بالأمة، وبناء مجتمع سعيد. ليس إلا.

ومن ينظر إلى مشاريعه ومؤسساته الدينية والاجتماعية التي تنتشر من كربلاء.. إلى واشنطن يتصور انه كان باني (المؤسسات الخيرية)، فقط.

وأما من يدرس سيرته مع الحكام فيراه، مجاهداً صلباً في سبيل الله، يقارع الظالمين ويؤلب الأمة عليهم صابراً محتسباً على ما يلاقيه في هذا الطريق.

ولقد كان هذا كله والمزيد، فقد ربّى جيلاً من العلماء العاملين المجاهدين وكان قدوة في أسرته، وقدوة في مجتمعه. وقدوة لأمته. وسيبقى مثلاً يحتذى لفترة طويلة.

فجّر نهضتين الأولى في كربلاء، والثانية في الكويت..

ولو أتيحت له الفرصة ـ لفجّر نهضة أخرى ثالثة، وقد أرسى قواعدها بفكره، وإن كان قد منع من قيادتها بشخصه.

وهاجر مرتين: الأولى من العراق إلى الكويت، والثانية من الكويت إلى إيران.

وجاهد ديكتاتوريتين: الحكم العراقي حيث مسقط رأسه، والحكم الإيراني حيث مثواه الأخير.

وله في كل هذه المجالات سيرة طيبة، وتاريخ طويل، وما كتب حتى الآن عن ذلك التاريخ ليس إلا كقطرة من بحر خضمّ.

وأخيراً ـ قضى الإمام الشيرازي نحبه كأجداده الطاهرين. لم يعرف قدره حق المعرفة، ولا أدّي حقه حق الأداء، ولا استفيد من ذلك النبع المتفجر الفيّاض حق الاستفادة، ولما قضى نحبه هزّ نبأ وفاته المفاجئ العالم الإسلامي، وشيع جثمانه بحرارة وحرقة لا نظير لها في تاريخ مدينة قم منذ تأسيسها قبل أكثر من ألف عام.

وهكذا كان الإمام محمد الشيرازي، محمدي الأخلاق والسيرة، علويّ الجهاد والمسيرة.

عاش مجاهداً

ومات مقهوراً

ودفن مظلوماً.

وسيكتب التاريخ عنه كثيراً كثيراً.

فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم هاجر، ويوم مات صابراً مظلوماً.

وإنني في هذه المقالة المختصرة سوف ألخص الحديث عن هذا الرجل العظيم في أربعة محاور من سيرته، لا لكي أحيط بمعرفته بل لكي أضع المفتاح بين يدي من يريد الاطلاع على هذا الكنز الثمين.

محور السيرة الذاتية.

محور الحياة العامة.

محور الحياة السياسية.

محور الفكر والثقافة.

هكذا عاش مع نفسه

الإمام الشيرازي ـ شخصية متكاملة في فكره نهضته وسيرته وجهاده وإمامته، ولكي نعرف الإمام الشيرازي في نهضته ومسيرته وجهاده، ينبغي أن نعرفه في نفسه.

وفي البدء ينبغي أن نعرف تربيته. فلقد تربّى في حجر والده العالم الزاهد المجتهد المجاهد الحافظ للقرآن الكريم آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي الذي كان مثالاً للتقوى والزهد والصلاح، وزعيم الحوزة العلمية بكربلاء.

وأمّه حفيدة بنت الإمام المجدد الميرزا الكبير محمد حسن الشيرازي. صاحب نهضة التبغ الشهيرة.

لقد تربّى على يد والده المهذب والمقدس الميرزا مهدي الشيرازي الذي كان مثالاً مجسداً للأخلاق الفاضلة، وقد عني بتربيته وتوجيهه منذ نعومة أظفاره عناية شخصية فائقة، إلى درجة أنه كان يأخذه وهو طفل صغير إلى (المدرسة) بنفسه.. ويرجعه عند الانصراف بنفسه، وكان ملازماً لوالده حتى توفي عام 1980م وكان في أخلاقه وسيرته يقتدي بأبيه. وكان والده قدوة له. وفيما يلي نبذة عن أخلاق أبيه ـ والجوّ العائلي الذي نشأ فيه الفقيد السعيد.

يقول نور الدين الشاهرودي في كتابه عن والده السيد الميرزا مهدي الشيرازي (كان رحمه الله يتصف بالأدب الجم والقول الحسن والتصرف الحكيم اللائق بعالم دين ملتزم، وكان في مشيته يبدو عليه الوقار والحشمة، وفي وجهه يشرق نور الروحانية، وكان في حياته الخاصة بسيطاً للغاية، يعيش على الكفاف والعفاف وطلّ إلى آخر عمره محتفظاً بحياة طالب العلم البسيط، وذلك على الرغم من الأموال والحقوق التي كانت تصله كوجوه شرعية، كان يُنفقها في مواردها الشرعية الحقة، وكان صبوراً حليماً رؤوفاً بالناس إلى أبعد حد ولم يحصل أن غضب في وجه أحد.

وكان يُجيب دعوة كل داعٍ له ويذهب إلى مجلسه ولو كان صاحب المجلس من أفقر الناس ويُشيّع جنائز المؤمنين ويذهب لزيارة القادمين إلى بلدته ويقف في الطريق لإجابة سؤال سائل وإن كان في الشمس وفي أشد أيام الصيف حرارة، وربما أوقفه بعض سائليه في طريقه بما يقارب الساعة أو أكثر وربما أوقفه طفل أو أرملة.

ولم يكن يهتم بمأكله ومشربه أصلاً فيأكل ما كان يحضر له وقت الغداء كان يأكله دون أن يعيب طعاماً أو ينتقد كيفية طبخه.

وأما ما يرتبط بسلوكه داخل بيته ووسط أسرته فيقول بعض الذين عاشروه عن كثب أنه كان يخيط ثوبه بنفسه ويرقع جوربه ويغسل ملابسه ويكنس غرفته ويطبخ الطعام في بعض المرّات، وإذا مرض أولاده أو أهله كان يُمرضهم بنفسه ويقدم لهم الدواء ويُغري الأطفال بالنقود والوعود إذا امتنعوا عن شرب الدواء.

وكان ملتزماً بعهوده إلى أبعد حدّ ويجيب على الرسائل والكتب الواردة له، ولو كان المرسل أو صاحب الكتاب ممّن لا يستحق الرد على سؤاله، وكان يقوم بحاجاته بنفسه ما أمكنه ذلك، ويقرض من استقرضه بقدر إمكانياته ويُلبي حاجة المحتاج.

وكان يقابل الإساءة بالإحسان ويغضي عن السيئة ويعفو عن المسيء فكانت تأتيه رسائل من أناس محتاجين أو طامعين مليئة بالشتائم والسباب فلا يقابلها إلا بالحسنى والتصرف الزرين بما يجعل المسيء إليه في خجل وندم لفعلته.

* لقد أخذ الإمام الشيرازي الكثير الكثير من صفات الخير من صاحب اسمه الميمون، فلقد محمدي الأخلاق، فقد وهبه البارئ عز وجل أخلاقاً عالية وعظيمة.. إلى جانب ما وهب له من جمال محمدي، بل انه كان كثير الشبه بجده المصطفى حتى في كثرة أمراضه، فكما كان رسول الله ممراضاً (كما ذكرت عنه كتب السيرة) كان الشيرازي يمرض بكثرة، فلا تمر عليه فترة إلا ويلازم الفراش في وعكة حادّة، وخصوصاً في السنين العشر الأخيرة من حياته، وكان الشيرازي معجباً جداً بشخصية الرسول الأعظم وبسيرته وأخلاقه.

فكم من كتاب ألفه عن سيرة الرسول وأخلاقه، وكم من محاضرة ألقاها عن حياته ومسيرته، وكم من مؤسسة بناها باسمه، فكل المؤسسات التي أسسها في الكويت كانت تحمل اسم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من مدرسة الرسول الأعظم، إلى مكتبة الرسول الأعظم، إلى حسينية الرسول الأعظم.... الخ.

وأول مدرسة أسسها عند هجرته إلى قم كانت (مدرسة الرسول الأعظم) (صلى الله عليه وآله) لطلبة العلوم الدينية. وأول حسينية شيدها في كردستان كانت باسم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وكذلك أول مؤسسة بناها في الهند كانت تحمل هذا الاسم المبارك.

وقبل عامين عندما أخبره ولده السيد مهدي هاتفياً:

أريد أن أنوب عنكم في حج هذا العام. قال له: بل إنو النيابة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

ذلك الاسم الميمون، وهذا الإعجاب الكبير بشخصية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وحبّه له حمله إلى أن يتتبّع أثره، ويقتدي بهديه، ويسير بسيرته. خصوصاً في إنهاض المجتمع، وبناء الأمة. (اقرأ في هذا المجال فصل أخلاق الإمام الشيرازي).

* ومن عظيم أخلاقه مع نفسه أنه لم يكن يعطيها ما تحب من نوم طويل، أو راحة مستمرة..

كان كثيراً ما يذكر لمستمعيه حديثاً سمعه عن والده، إذا جاء أحد إلى باب منزلي لمسألة وكنت نائماً فأيقظوني، لكي أقضي حاجته. ذلك أني نظرت فرأيت أني سوف أنام في قبري طويلاً.. طويلاً.

وهكذا كانت سيرته في حياته.. فلم يكن يعرف النوم الطويل في الليل. بل ينام فترة ثم يقوم. لكي يواصل الكتابة، ثم ينام لكي يقوم مرّة أخرى لكي يصلي ويدعو.. وكان أحياناً ينام من الليل ثلاث ساعات فقط. بل إنه قال مرّة: إنه مرّت عليه فترة كان ـ ووالده ينامان ـ في خلال الأربع والعشرين ساعة ـ ساعتين فقط.

ففي مدينة كربلاء المقدسة في أيام الصيف (حيث الليالي قصيرة) كان يمتد به العمل أحياناً إلى منتصف الليل.

ثم يقوم الأذان لكي يذهب إلى صلاة الغداة في الصحن الحسيني الشريف، وكان يصليها إماماً للجماعة كل يوم. ثم يذهب إلى منزله لإتمام الإعداد لدرس الخارج (أعلى مرحلة دراسية في الحوزة) ثم يذهب أول الصباح لإلقاء درسه اليومي، ثم يذهب إلى ديوان منزله لاستقبال المراجعين حتى أذان الظهر.

ولقد كان صادقاً مع نفسه، لم يدع إلى شيء، إلا وكان السبّاق له بنفسه، ولم يكن ليدعوا أحداً إلى شيء لم يكن يعمل به شخصياً.

وصدق الإنسان مع نفسه، دليل إخلاصه ومفتاح نجاح دعوته.

فعندما بنى (مدارس حفّاظ القرآن الكريم) ودعى إلى حفظ القرآن، بدأ ذلك بنفسه، وحفظ القرآن الكريم كله في شهر واحد هو شهر رمضان المبارك.. (حتى تأثرت حنجرته بذلك، وكان أثر ذلك باقياً عليه إلى نهاية حياته).(2)

(وهكذا عاشر أسرته)

أما أخلاقه مع أسرته ـ من بنات وبنين ـ أولاداً وأحفاداً فكان يذكّر بأخلاق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

فقد كان شديد المحبة لهم جميعاً.

ويظهر المحبة لبناته أكثر من الأولاد. يحترمهم.

ويجلس معهم ويكرمهم. ويتعاطف مع مشاكلهم.

وينصحهم. ويستنصحهم، وحتى يستشيرهم.

وكان يستضيفهم بنفسه، وبإلحاح وإصرار.

لم يكن يضرب أحداً من أطفاله.. ولا يتذكر منهم أحد انه قد تلقى الضرب منه ولو في صغره، (علماً بإنه كان ذو أطفال عديدين، ومتقاربين في العمر).

ودائماً كان الإمام الشيرازي يعدّ بنفسه وجبة العشاء في المنزل له ولأولاده بنفسه، حتى أواخر أيام حياته.. ولم يترك هذه العادة حتى في الصيف حيث كان منزله مكتظماً بمن يزوره من أبنائه وأحفاده من شتى الأنحاء، وكان يشترك مع أهله في إدارة شؤون المنزل خصوصاً عندما يجيء الضيوف إلى منزله.

بل وحتى بعد أن أصيب بالجلطة القلبية، قبل أربعة أعوام من وفاته. لم يترك هذه العادة الحسنة.

وكان إذا مرض أحد أبناءه يمرضه بنفسه، سواء كان صغيراً أو كبيراً. وقبل عشرة سنين كان قد وضع مجلساً أسبوعياً لجميع من حضر من نساء عائلته الخاصة. لتعليم الخطابة (بما فيه من التعزية الحسينية) وكان يلقي عليهم في نهاية الجلسة محاضرة توجيهية.

وكان يحب أحفاده الصغار ويلاطفهم ويمزح معهم وله مع كل واحد منهم قصة وذكرى.. وصورة تاريخية.

ولم يكن يسمح لأحد من أبنائه أن يزعج الأطفال، أو يغلق عليهم الأبواب. فهم خارجون داخلون عليه. وما أكثر ما كانوا يزعجونه وهو نائم. أو مشغول بالكتابة والمطالعة..

ولم يكن ينهر أحدهم أبداً، بل كان يمنع الآخرين من ذلك.

في أواخر أيام حياته اقترح أحد أولاده أن يغلق عن الأطفال باب غرفته المؤدية إلى ديوانية مجلسه. ويفتح باباً خاصاً للأطفال كي لا يتخذوا غرفته المتواضعة معبراً لهم.. فرفض ذلك وقال: أترك الأمور كما هي.

(قاد النهضة في كربلاء)

كربلاء ـ مدينة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، كانت وستبقى منارة مضيئة في تاريخ الإسلام والشيعة، فهي مدينة العلم والمرجعية، والثورة ضد الطغاة منذ أن استشهد فيها سبط الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قبل أكثر من ألف وثلاثمائة وستين عاماً.

فهي مدينة العلم والعلماء. فقد تشكلت نواة حوزتها العلمية في مطلع القرن الرابع الهجري على يد استاذ الشيخ الكليني (حميد بن زياد النينوي).

وقد استمرت حوزتها العلمية على يد خلفه (محمد بن علي)، المكنى بـ (ابن حمزة) وقد تربّى على يده عدد من الفقهاء، وخلف تصانيف قيّمة.

وقد استمرت هذه الحوزة العلمية على مدى قرون، وتألق فيها في فترات متعاقبة فحول من العلماء والزهاد منهم: (محمد بن فهد الحلي)، صاحب الفضائل والكرامات، وله مزار معروف بكربلاء.

وكانت ذروة تألق الحوزة العلمية في عصر العالم المؤسس (محمد باقر الوحيد البهبهاني) الذي أرسى قواعد المدرسة الأصولية بكربلاء، والشيخ يوسف البحراني المعروف بـ صاحب (الحدائق الناظرة) زعيم المدرسة الأخبارية، وبقيت كربلاء محتفظة بمركزها الأول حتى وفاة (محمد شريف العلماء) (استاذ الشيخ الأنصاري)(3) عام 1245هـ وذلك بسبب تعرض المدينة للغارات الوهابية المتكررة، ولضغط الحكومة العثمانية المتعصبة حيث انتقل إلى النجف الأشرف كبير تلامذة الشريف وهو الشيخ مرتضى الأنصاري.

غير أن مدينة كربلاء المقدسة بقيت مركز جذب خاص للعلماء المجاهدين من أمثال السيد محمد المجاهد، والشيخ محمد تقي الشيرازي، والحاج آغا حسين القمي.

* وكربلاء ـ مدينة الثورة ضدّ الظالمين فهي قلب الشيعة النابض في العراق منذ أيام السيد محمد المجاهد (صاحب الفتوى الشهيرة ضد الروس)، إلى زمان الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد (ثورة العشرين)، في العصر الأخير إلى أيام السيد حسين القمي قائد الثورة ضد بهلوي الأول قبيل الحرب العالمية الثانية.

وبسبب الدور الذي كانت تقوم به هذه المدينة المقدسة عبر التاريخ تعرضت لاجتياح (الجند التركي) العثماني مرتين، ولاجتياح (الوهابيين) مرتين.. ولاجتياح (الجند البريطاني) في ثورة العشرين.. وأخيراً لاجتياح (الحرس الجمهوري) في انتفاضة الخامس عشر من شعبان قبل عشر سنين. بعد مقاومة دامت أسبوعين كاملين.

ودائماً كانت مدينة كربلاء تعاقب على مواقفها الثورية بمختلف أنواع العقوبات الظالمة.. غير أن المدينة كانت تستلهم روح المقاومة والرفض من روح الحسين الشهيد التي تخيّم على المدينة وأهلها أينما حلّوا وارتحلوا على وجه البسيطة..

وإذا كانت الكتب قد سجلت دور كربلاء في مقاومة (الظلم العثماني) و(الحكم الانجليزي) بشكل مفصّل... إلا أن تاريخ كربلاء الحديث لم يسجّل بعد..

وتاريخ كربلاء الحديث يبدأ.. بقيادة الإمام السيد محمد الشيرازي النجل الأكبر لآية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي.. وهو تاريخ جهاد ونهضة دينية وثقافية وحضارية لا تزال تتفاعل وتستمر..

ولا ريب أن مهندس تلك النهضة وقائدها هو الإمام السيد محمد الشيرازي (رضوان الله عليه). ولقد تسلم القيادة الروحية والمرجعية الدينية للمدينة منذ رحيل والده المقدس الميرزا مهدي الشيرازي (رضوان الله عليه) وعمره لم يكن يتجاوز الثالثة والثلاثين سنة. عام 1380هـ. وفي خلال عشر سنين غير معالم المدينة. وبعث فيها نهضة دينية وعلمية وسياسية لا تزال مستمرة في عروق أبنائها المنتشرين في شتى بقاع الأرض.

فراح يستنهض في الأمة روح الإيمان والتقوى والجهاد والعمل الصالح وخدمة المستضعفين، وذلك عبر الخطاب الجماهيري. والكتاب الجماهيري، وإقدامه العملي في جميع مجالات العمل الصالح.

وكان له في كل أسبوع ثلاث محاضرات توجيهية عامة، إحداها لعموم المجتمع. والأخرى لطلبة العلوم الدينية. والثالثة لطلبة الجامعات العراقية ممن كان يزور الحسين (عليه السلام) في يوم الجمعة.

كما أسس في جميع المساجد هيئات دورية لتوعية الجيل الصاعد من الشباب وقد بنى فيها جيلاً من الشباب المؤمن الملتزم الواعي، وهم الذين وقفوا سدّاً منيعاً ضدّ تيار الأحزاب الإلحادية الوافدة.

وفي هذا المجال أسس (مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)) بالتعاون مع جمع من علماء المدينة، كما أسس (مدارس حفاظ القرآن الكريم) للبنين والبنات، وقد كانت هذه المدارس مركزاً للتربية والعمل والنشاط الإسلامي في المدينة.

كما أسس هيئة (للتبليغ السيّار) وكانت تقوم بزيارة دورية للقرى والأرياف المحيطة بالمدينة للتوعية والإرشاد.

وبهذا الصدد بنى العشرات من المساجد والحسينيات ورمّم أكثر مساجد المدينة وحسينياتهها. وأقام صلاة الجماعة في كل مسجد بتعيين الأئمة فيها.

* كان الإمام الشيرازي يفكر في بعث روح الإسلام في نفوس أبناء المدينة على نهج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ولذلك كان يتتبع خطواته في تشجيع العلم والعلماء والتعليم، وبهذه الروح بعث في المدينة نهضة ثقافية شاملة. وذلك بتأسيس ما لا يقل عن عشرة مجلات ثقافية كمجلة (الأخلاق والآداب) و(صوت المبلغين) و(القرآن يهدي) (نداء الإسلام) و(أعلام الشيعة) و(صوت العترة) و(ذكريات المعصومين) و(صوت الإسلام) و(منابع الثقافة الإسلامية) و(مبادئ الإسلام) باللغة الانجليزية.

كما أسس (مكتبة القرآن الكريم) العامة، (والمكتبة الجعفرية). وعشرات المكتبات الصغيرة الأخرى.. كما ساعد في تأسيس (مطبعة أهل البيت).

(وقد أسس الإمام الشيرازي لهذا الغرض (إذاعة) دينية خاصة بالمدينة (بالامكانات المتوفرة لديه) وذلك عبر مكبرات الصوت المنتشرة حوالي الحرمين الشريفين الحسين (عليه السلام)، وأخيه العباس (عليه السلام). وكان لهذه الإذاعة المحلية دور كبير في توجيه ملايين الزوار الوافدين في عيدي الأضحى والفطر وفي عرفة وعاشوراء والأربعين بالإضافة إلى أهل المدينة.

* وفي المجال الحضاري أسس جملة من المؤسسات مثل (مستوصف القرآن الحكيم) و(النادي الإسلامي) و(المدرسة الصناعية) و(لجنة تشغيل العاطلين) و(صندوق قرض الحسنة).. الخ.

كما كان له الدور الكبير في الضغط على الحكومات المتعاقبة للاهتمام بعمران المدينة وتوسعتها وترميم آثارها.. الخ. ولم يكن يكتفي في هذا المجال بالضغط والمطالبة بل كان يقوم بانجاز ما يستطيع انجازه من ذلك عبر العمل الشعبي وعلى يد الأهالي أنفسهم..

ومع مرور الأيام أصبح (بيت الشيرازي) قلب المدينة النابض. و(موئل) المجتمع، و(أمل) المواطنين، وموضع شكوى المظلومين.

وقد عبر عن هذه الحقيقة محافظ كربلاء آنذاك في حوار مع أحد وجهاء المدينة. قال: أنا هنا مجرد موقع معاملات، أما ملك كربلاء المطاع فهو (محمد الشيرازي).

لقد كان فعلاً قلب المدينة النابض بالروح والحركة يشهد لذلك صلاة الجماعة التي كان يقيمها في الصحن الحسيني الشريف والتي كانت من أكبر صلوات الجماعة في الطائفة، كما أن صلاة العيد التي كان يؤمها في الصحن الشريف كانت أكبر صلاة جماعة للمسلمين بعد الحرمين الشريفين بمكة والمدينة حيث كان يمتلأ صحن الحسين (عليه السلام) بالمصلين الوافدين إلى كربلاء من كل أنحاء العراق.

وقد كان الكثير من العلماء والفضلاء يأتون إلى كربلاء يوم العيد من النجف الأشرف لكي يشتركوا في صلاة العيد للإمام الشيرازي.

وقد اعتمد الإمام الشيرازي في نهضته الدينية ـ الثقافية ـ الحضارية على إخوانه آل الشيرازي. وعلى آل القزويني، وآل الفالي وآل المدرسي.. وخطباء كربلاء المعروفين وخصوصاً الشيخ عبد الزهراء الكعبي، والشيخ حمزة الزبيدي وآخرين.

ولم يكن طريق الإمام الشيرازي في هذه النهضة مفروشاً بالورود بل أنها نمت وترعرعت في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، وبإيقاع ثوري جهادي ضد الحكومات الظالمة المتعاقبة، وفي ظل جو من المطاردة والاعتقال لأنصاره وأعوانه ومريديه، حتى أنه لم يفلت من الاعتقال أغلب أعوانه مرة أو مرتين على الأقل، وحكم على بعضهم بالإعدام مما سنذكر تفصيله بعد قليل.

وبعث النهضة في الكويت

الكويت مدنية على ضفاف الخليج، استقلت كدولة ونمت وتوسعت في شتى المجالات، بفضل عائدات النفط خلال عقدي الستينات والسبعينات.. يعيش فيها شعب مسالم وطيب، حظيت بالأمن والاستقرار حتى الغزو العراقي الأخير.

هاجر إليها الإمام الشيرازي عام 1970 بعد أن ازداد الضغط عليه من قبل النظام العراقي الجائر.. وقد ترك في كربلاء المقدسة صلاة عامرة في صحن الإمام الحسين (عليه السلام) بإمامة صهره آية الله السيد كاظم القزويني، وحوزة علمية برعايته. ومجموعة من المؤسسات الثقافية والعلمية والتوجيهية.. وجيلاً من الشباب النابض بالفكر والعمل.

وبقيت تلك المؤسسات عامرة بروّادها حتى عام 1975 حيث تعرض التيار الديني في العراق لهجمة إبادة من قبل النظام.. وقد ألقي القبض على أغلب أنصار الإمام الشيرازي وأعوانه، وعطلت جميع مؤسساته، وطورد أنصاره وأعوانه، وصودر بيته ومنزله. وكل ما يتعلق بمؤسساته.. ثم أصدر عليه النظام حكماً بالإعدام غيابياً مع أربعة من أنصاره.

ونشرت جريدة (الثورة) البغدادية نص الحكم.

كان النظام يدرك خطوة التيار الديني الذي أطلقه الإمام الشيرازي في كربلاء.. وكان يتحين الفرصة للإجهاز عليه وتصفيته، مستغلاًَ ظروف الصلح الذي عقده مع الشاه في الجزائر عام 1975م.

لقد أدرك الإمام الشيرازي بفكره الثاقب ورؤيته البعيدة أنه لا يمكن الاستمرار في نهضته الدينية في طل النظام البعثي الجائر.. وإنه لا يمكن التعايش معه على الإطلاق. فأما أن يصطدم به، أو يهاجر عنه، وقد فضّل الخيار الثاني.. لأسباب عديدة، من أهمها:

إن الإمام الشيرازي كان يحمل في فكره مشروعاً متكاملاً لاستنهاض الأمة حضارياًَ وانتشالها من وهدة التخلف والتمزق، ولم يكن الاصطدام المبكر بالسلطة في تلك الظروف الحرجة يحقق شيئاً من أهدافه خاصة وأنه قد أدرك ـ بعد تجربة اعتقال أخيه الشهيد السيد حسن الشيرازي، وتعذيبه في سجون النظام ـ أن الوضع العام غير مهيأ للاصطدام العلني..

فقرر الهجرة من العراق.. مع إبقاء ما بناه من عمل ومؤسسات في أيدي تلاميذه الأمناء.. فسافر إلى سوريا ثم إلى لبنان ثم حطّ رحاله في الكويت..

ولما أراد التوجه إلى الكويت استخار الله تعالى بالقرآن الكريم فخرجت الآية الكريمة: ((وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ))(4) ، وكانت الآية متطابقة مع تقديراته، فتوكل.. ومضى..

في الكويت.. بدأ الإمام الشيرازي نهضة هادئة وبشكل يتناسب مع الوضع هناك ولم يكن طريقه في هذه النهضة مفروشاً بالورود فقد حاول النظام العراقي بأعوانه وأنصاره من داخل العراق وخارجه أن يحكم الطوق ضده بشتى الأشكال.. ولكن السياسة الحكيمة للإمام الشيرازي حالت دون وصول النظام إلى مقاصده.. وبدأ الإمام الشيرازي يعمل ليل نهار ولكن بصمت وحكمة.

وكان هدفه الأسمى إيجاد جيل من الشباب المؤمن الواعي.. وجو اجتماعي يرعى الإيمان والتقوى، ومؤسسات تحتضن النشاط الديني، وروح إسلامية تصد خطر التيارات المنحرفة.. وبدأ من مسجده المعروف في (بُنيد القار) يوجه أنصاره نحو أهدافه المقدسة، ورغم ما عاناه من الضغوط المختلفة من جهات عديدة (داخلية وخارجية) إلا أنه لم يكن يهتم إلا بتحقيق أهدافه، كان مشغولاً بنهضته، مبتعداً عن الخلافات الجانبية، حذراً من كل ما يعيق مسيرته..

ولقد كان مجلسه العام الملاصق لمسجده يمتلئ بالوافدين من الشباب المتعطش للمعرفة الدينية، وكان يصرف عليهم جل وقته، حتى انه كان يلقي عليهم ليلياً درساً في التفسير.. وكان يجلس معهم أحياناً حتى منتصف الليل..

وقد انبهر الشباب الكويتي فعلاً بحسن أخلاق الإمام الشيرازي وجميل صفاته، ولمسوا من قريب صدق مقالته، وعميق إخلاصه، وشدة حرصه على الشباب.. وعلى مستقبلهم، ومستقبل الأمة.

وقد كان حلول السيد الشيرازي في الكويت بركة على أهل الكويت جميعاً، وزار الجميع، وزاره الجميع. وآلف بين أهم فئتين في الطائفة كانوا من قبل من المتناحرين.. ويعلم جميع الكويتيين هذه الحقيقة.

ومنذ البدء لم يكن الإمام الشيرازي يريد البقاء في الكويت بل كان يهدف العودة إلى العراق ـ حيث مسقط رأسه وموطن أجداده.

ولم يكن الإمام الشيرازي يعلم متى يهاجر عن الكويت.. بل كان ينتظر الفرصة المناسبة، ومع ذلك فإنه عمل للكويت (كأنه يعيش فيها أبداً) وذلك خدمة للمجتمع، ورجاءً لثواب الله. وما أعده للعاملين في سبيله.

ولقد عاش الإمام الشيرازي في الكويت فترة من أجمل وأبرك أيام حياته. أعطى الكويتيين من علمه وتوجيهه وعمره وقلبه الشيء الكثير.. وأعطاه الكويتيون حبهم وأشواقهم. ومودتهم..

لقد أحبه الكويتيون كما لم يحبوا أحداً من العلماء في حياتهم.. وبكوه يوم هاجر عنهم بكاءً مرّاً.. ولما بلغهم نبأ رحيله المفاجئ بكوه كما لم يبكوا آباءهم.. رجالاً ونساءً.

وجرت دموعهم لفراقه الدائم وفي قلوبهم حسرة أن يعود إليهم الإمام الشيرازي مرة أخرى ولو في زيارة عابرة..

رحل الإمام الشيرازي عن الكويت. ولكن نهضته بقيت نامية. وستبقى ماثلة في وجدانهم، إنهم يرونه كل يوم ماثلاً في جيل الشباب الذي ملأ مساجد الكويت بهديه. وفي المكتبة العامة للطائفة ـ وما فيها من نشاط مستمر ـ طيلة السنة: (مكتبة الرسول الأعظم)، و في حسينية الرسول الأعظم، ونشاطاتها، وفي مدرسة الرسول الأعظم وطلابها، وفي عشرات المؤسسات والفعاليات الدينية، وفي حملات الحج والزيارة التي قام بتشجيعها ورعايتها، وفي مئات الكتب التي تصدر من قبل تلاميذه وأنصاره ومؤيدي فكره ومنهجه.. وفي مجالس الدعاء والزيارة التي نشرها في كل بيت وحسينية، وفي المجلات الدورية، ومعاهد القرآن، والندوات الدورية، والمسرحيات الدينية.. الخ.

لقد أحب الكويت وأحبوه، وخدمهم فعظموه، وزهد في خيراتهم وأموالهم فإكبروه، ووثقوا بخطه وبشخصه فاتبعوه..

ولما تعرضت الكويت للغزو أعلن إدانته له، ونصح الكويتيين بالصبر، وبشّرهم بالنصر الأكيد. وتوقع هزيمة النظام العراقي منذ اللحظة الأولى..

والشيرازي اليوم معلم ثابت من معالم الكويت، وجزء من تاريخها المجيد، وسيبقى خطه الفكري وسيرته العطرة نامية.. تعطي أُكلها كل حين بإذن ربها.

وكل من يزور الكويت اليوم يرى فيها الشيرازي حياً بخطه ومنهجه وبما ترك من نشاط ومؤسسات، وما بنى فيها من جيل مؤمن صالح..

ولقد ضجت الكويت كلها على رحيل الإمام الشيرازي، علماً بأنه كان قد هاجر عنها منذ أكثر من اثنين وعشرين عاماً، ولم تتوقف مجالس الفاتحة على روحه في كل الحسينيات والمراكز الدينية.. ولا زالت الدموع جارية على فقده..

وقارع الظالمين

هذا العالم الوديع الزاهد المتواضع.. كان أسداً في مواجهة الظالمين وقد قضى حياته كلّها في جهاد مستمر ضد الأنظمة الفاسدة الطاغية.. خصوصاً في عراق الطاغيتين:

عبد الكريم قاسم، وصدام حسين. ففي باكورة شبابه وقف بشجاعة إلى جانب والده ضد الإرهاب الشيوعي الذي اجتاح العراق، ولما هدّد بالقتل من جانبهم أجاب: لا تكلفوا أنفسكم الكثير أنا أخرج من منزلي وحيداً فجر كل يوم لأداء صلاة الصبح في صحن الإمام الحسين (عليه السلام) والطريق خال من المارة تماماً، في مثل هذا الوقت تستطيعون اغتيالي بسهولة!

وفي كل مرة كانت السلطة الظالمة في بغداد تحاول ضرب التيار الديني كانت تبدأ بكربلاء.. وبانصار الإمام الشيرازي الذين كانوا من مقدمة العاملين المجاهدين حتى أن بعضهم قد دخل السجن في كل عهد مرة أو مرتين، ولا يعرف من كبار أصحاب الإمام الشيرازي أحدٌ إلا وذاق مرارة السجن أو الإبعاد، حتى كان العهد الأخير حيث ألقى النظام القبض على أخيه الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي وأذاقه التعذيب الرهيب الذي استمر تسعة أشهر، لانتزاع اعترافات كاذبة ضد المرجعية الشيعية في العراق. وخرج الشهيد من السجن مرفوع الرأس لم يعترف لهم بشيء، وإن كان قد أبلي في كل موضع من جسده ببلاء دائم بقي شاهداً على ظلم الطغاة حتى يوم استشهاده. (راجع ما كتب عن الشهيد الشيرازي).

ولقد كان شجاعاً جداً.. وكيف لا، وقد كان الدم الحسيني يجري في عروقه، وتاريخ الجهاد العلوي في وجدانه ـ وكان وريث بيت المجاهدين.. فجده الأعلى ـ الإمام الميرزا حسن الشيرازي كان قائد نهضة التبغ ضد الانجليز، وخاله الإمام محمد تقي الشيرازي كان قائد ثورة العشرين، وأبوه الميرزا مهدي الشيرازي ـ كان الساعد الأيمن لمرجع الطائفة في زمانه السيد أغا حسين القمي ـ قائد الثورة ضد بهلوي الأول وكان هو في طليعة الناهضين في مواجهة المد الأحمر ابان الحكم القاسمي.

وبقدر ما كان الإمام الشيرازي يحب الحسين (عليه السلام) ونهضته، كان يكره الظالمين، والطغاة، وكان يحمل بين أضلعه روح الحسين الأبية.

بتلك الروح الأبية.. ساند نهضة الخامس عشر من خرداد ضد بهلوي الثاني عام 1962 وبنفس الروح رفض الديكتاتورية المتلبسة بلباس الإسلام الحنيف.

بتلك الروح الأبية.. رفض حكم الشاه ونهجه وحارب نفوذه وامتداداته في العراق، كما رفض حكم البعث ونهجه وطاغيته.. وفي زمان واحد، ومكان واحد.

ولهذا فلم يكن من الغريب أن بعض أنصاره كان يسجن أو يبعد بضغط من القنصلية الشاهنشاهية في كربلاء. في نفس الوقت الذي كانت السلطة تلقي القبض على بعض آخر من أنصاره لمعارضتهم طاغية بغداد.

كيف جمع هذا المجاهد الصابر بين التواضع والإباء، بين الزهد الجهاد، ذاك من معالم المتقين الصالحين، كان يتواضع لطالب علم صغير إلى درجة أنه كان يظن أنه بمستواه، ولكنه في نفس الوقت كان يتأبى على الطغاة ولا يستجيب لهم بشيء.. حتى ولو أحرقوا أولاده بالنار!!

فما أعظمك يا أمير المؤمنين يا علي، إذ تنجب بعد ألف وأربعمائة عام أسوداً هصورة على خطاك!

وبتلك الروح ساند وأيد كل النهضات الإسلامية، والحركات التحريرية، فناهض الصهيونية وما انتجت، والشيوعية وما فعلت، والبعثية وما قدمت.. فكتب في باكورة شبابه: هؤلاء اليهود، وفي أواخر حياته كتب عن أكذوبة الصلح مع إسرائيل.. وكانت أبناء القتلى والجرحى في الانتفاضة الفلسطينية تهزّه من الأعماق، على أنه كان صاحب رأي خاص نابع من نظرة تاريخية عميقة حول كيفية دحر وهزيمة الصهيونية في فلسطين!

هذا المجاهد الصابر لم يكن ينطلق في جهاده من منفعة سياسية شخصية (وقد كان يؤمن بأن علىالمرجع الديني أن يكون مرشداً للحكم التنفيذي) ولا كان يهدف الحصول على مكسب مادي (فقد كان من أشد الزاهدين في متاع هذه الحياة ـ انظر فصل زهده) بل كان ينطلق في جهاده من أمرين ـ من الروح الحسينية الأبية التي كان يحملها في جنبه، والتي كانت ترفض الخضوع للطغاة والظلمة وأولياء القهر والإذلال للأمة. وكان يعتقد أن بلاء الأمة الأول هو الحكومات الديكتاتورية. وأولياء الظلم والظلام (راجع كتبه في هذا المجال).

وثانياً: لأنه كان يلتهب ألماً لمستوى التخلف والضعف الذي بلغه المسلمون.

لقد كانت مظاهر الاستضعاف للأمة تقض مضجعه، خصوصاً وانه كان يرى أن نكبة المسلمين وضعفهم ليس قدراً لازماً، ولا قضاء مبرماً. بل هي حصيلة الجهل والكسل. والزعامات الكاذبة. والتمزق القومي والإقليمي. وقد أوسع هذا الجانب بحثاً ومحاضرة وكتابة في عشرات المؤلفات والمحاضرات التي ألقاها في حياته، وخصوصاً كتابيه:

(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام).

إن حياة الإمام الشيرازي كلها هي قصة جهاد مستمر ضد عوامل الجهل والقهر والتخلف في الأمة.. ولقد عانى في جهاده هذا عناءً كبيراً.. وأعظم معاناته كانت في نفسه حيث كان يحترق ألماً لما كان يسمعه من أنباء المآسي التي تحل بالمسلمين.. حتى أنه لم يكن ينام بعض الليالي بطولها وهو يستمع إلى أنباء البلد الفلاني، أو مآسي الشعب الفلاني، ولا أنسى أنه في الآونة الأخيرة كان قد بلغ في حساسيته إلى درجة كبيرة حتى أنه أصيب بالذبحة الصدرية قبل أربعة أعوام في صبيحة ليلة لم ينم فيها حتى الصباح بسبب الأنباء المحزنة التي تواردت عليه في تلك الليلة عن الأوضاع المأساوية للأمة.

هذا المجاهد الصابر تحت ضغط الطغاة هذا الذي تحمل غليظ المحن، وتجرع غصص الكرب كاد يموت كمداً وحزناً على ما أصاب هذه الأمة من محن وويلات..

ولسان حاله يقول: (فلو أن امرءاً مات من بعد هذا كمداً.. لم يكن عندي ملوماً، بل كان به عندي جديراً..).

وعما آل اليه الوضع في بلده كان يقول: (فتنة يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه..).

لقد مات الشيرازي ولسان حاله يقول: (إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً).

عاش مجاهداً

ومات صابراً وخلّف تراثاً في الجهاد لا يُنسى.

لقد جاهد الشيوعيين والبعثيين والتابعين لهم بالإساءة والعدوان نصف قرن من الزمن ولم يلن ولم ينكل.. حتى قضى نحبه مجاهداً صابراً.. فكان مثالاً بارزاً لقوله تعالى: (منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً).

عاش زاهداً..

كان الإمام الشيرازي نموذجاً مثالياً للعلماء الزاهدين.. فلم يكن يهتم بزخارف الحياة الدنيا ومباهجها، وتلك أحدى الصفات الكريمة التي ورثها من أبيه، الذي اشتهر بالزهد والعفاف.. فرغم إقبال الدنيا عليه ـ بكربلاء ـ فإنه ظل في بيته المتواضع الذي تزوج فيه، ولم يكن يتجاوز السبعين متراً فقط. حتى بعد أن كثُر أولاده. وتزايد المراجعون له.

ثم عندما هاجر إلى الكويت، بقي في شقة صغيرة، رغم عائلته الكبيرة حتى أنه لم يكن يجد مكاناً ليؤلف فيه كتبه، فاضطر أن يتخذ من الطابق الأعلى من سرير الأطفال ذي الطوابق الثلاثة مكاناً يصعد اليه فيؤلف فيه كتبه.

وفي مدينة قم ـ سكن منزلاً متواضعاً متداعياً في جوانبه، وفي نفس البيت زوّج جميع أولاده، ثم كان يخرج من تقدم منهم في الزواج إلى منزل مستقل قريب مثله، ليوسع لمن بعده مكان زواجه في نفس المكان في غرفة أو غرفتين فقط.

وبقي في نفس البيت المتواضع إلى أن قبض فيه ليلة عيد الفطر. ولازال منزله باقياً كما هو ـ تسكنه عائلته، ولا يزال مكانه الشاغر. وغرفته الصغيرة (ثلاثة أمتار في أربعة) التي كان يستقبل بها زواره محطة للزائرين. وعبرة للمعتبرين.

وأما ملبسه.. فقد كان غاية في التواضع. كأقل طلبة العلوم الدينية، وما أكثر الرقع في القباء الذي كان يلبسه، حتى أن الخياط القريب من منزله احتفظ في إحدى المرات بقبائه لكثرة ما رقعه. ورفض إرجاعه إليه.. وخاط له قباء جديداً مكان القباء القديم..

حتى نظارته التي كان يلبسها حين الكتابة والمطالعة كانت قد كسرت مرتين فأصلحها بالشريط اللاصق بيده الكريمة (ولازالت موجودة للذكرى).

* يقول أحد أصحابه: أرسلني مرّة لشراء عباءة له، وأوصاني بأن تكون من أرخصها ثمناً، وذهبت إلى السوق فوجدت بها عبائتين إحداهما بخمسة آلاف تومان. والآخرى بثلاثة آلاف تومان، (الألف تومان تساوي دولاراً وربعاً)، فاشتريت الأولى لأن الثانية كانت مهلهلة جداً. ولما جئته بها. وسألني عن ثمنها. وذكرت له الأمر عاتبني قائلاً: كان الأولى أن تشتري الثانية. فقلت له سيدي: إن بعضهم يلبس عباءة قيمتهما مائة ألف تومان، ولا ترضى بمثل هذه العباءة الرخيصة العادية! ولم يقنع. وفشلت في كسب رضاه..

* مرّة أخرى. وكنت مسؤولاً عن الصرف (البراني). وكنت أحاسب خادمه (المرحوم بابا علي) على مشترياته يومياً، وفاجأني الخادم ذات يوم وقال: إن سماحة السيد لا يدري عن صعود الأسعار، فهو لا يزال يدفع لي مائة تومان لمشتريات منزله. وهذا المبلغ لا يكفي، فازدته بمائة تومان أخرى.. وفي اليل عندما خلوت بسماحة السيد للحساب وجد في حسابي المائة تومان لمنزله فقال ما هذا. فذكرت له القصة. فأعطاني المبلغ وقال: هذه آخر مرة تفعلها. لا تتدخل في مشتريات منزلي الخاص.

ولقد كان يرفض استبدال أثاث منزله. من ستارة. أو فراش، أو ما أشبه.. وكان ينام على الأرض. إلى قبيل وفاته بخمسة أشهر حيث وضع له سرير خشبي بسيط، لشدة ما كان يتعرض له من آلام متواصلة في رجله. مما كان يعجزه عن القيام والقعود عن الأرض.

وكم له من قصة في هذا المجال..

حقاً.. ما أصدق كلام علي أمير المؤمنين عليه السلام فيه وفي أمثاله من المتقين: (منظقهم الصواب. وملبسهم الاقتصاد. ومشيهم التواضع..).

* يقول أحد أولاده: عندما سافر إلى مدينة مشهد. سكن غرفة متواضعة من غرف مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) التي أسسها بنفسه، وعندما تعرّض لبعض المضايقات. رأى بعض مريديه أن يتحفه بشيء يفتح القلب خاصة وأنه لم يكن يخرج من المدرسة فاشترى باقة ورد جعلها في غرفته عند غيابه عنها، فلما رجع الإمام الشيرازي إلى الغرفة. فوجئ بالورود فقال: من أين هذه الورود. فقلت له: إن فلاناً أحب أن تكون في غرفتك لبهجة فقال أخرجها فوراً.. ولما أخرجتها مكرهاً. وجد في وجهي الكراهية فقال موضحاً:

بهذا وأمثاله يصبح المرء طاغوتاً بالتدريج.

ومن يقرأ عن إخلاص الإمام الشيرازي في عمله. يعرف أن زهده في الدنيا كان لنيل ثواب الله في الآخرة، ولكي يقتدي بأجداده الصالحين، ويلتحق بهم في مستقر رحمته.

وكم من مرة نقل قصصاً من زهد والده وذكّرنا بكلام علي (عليه السلام) عندما قدم له الفالوذج فامتنع من أكلها ليس تحريماً لها. بل لأن رسول الله لم يطعمه وقال: أخاف أن لا ألحق به!

وهكذا المؤمنون الصالحون يحسبون لآخرتهم ألف حساب، وخشون أن لا يلحقوا بالصالحين الأولين.

* يقول أحد أولاده: في أحد أيام الشتاء القارس توضّأ والدي للصلاة بالماء البارد، فجئت بعده إلى الميضاة ولما فتحت الحنفية الأخرى وجدتها تدّر بالماء الساخن. فقلت له: الماء الساخن شغال. فقال: لا داعي له. فعرفت أنه يتعمّد التوضي بالماء البارد.

وعمل مخلصاً

الإخلاص لله هو ميزان القبول في جميع الأعمال الصالحة.. ولقد كان الإمام الشيرازي ذاتيّة صادقة. وإخلاصاً حقاً فيما قدّم من أعمال صالحة.. وفيما يلي بعض الشواهد أذكرها كملاحظات على دفتر إخلاصه ـ أعلى الله درجاته ـ.

* للإمام الشيرازي. مئات المؤسسات الثقافية والخيرية، والتعليمية. والاجتماعية.. منتشرة على سطح المعمورة من كربلاء ـ إلى الكويت ـ إلى سوريا ـ إلى لبنان. وفي شتى مناطق إيران وباكستان والهند. وحتى لندن. ونيويورك. وواشنطن.. الخ. ولكن ولا واحدة من تلك المؤسسات الكثيرة حملت اسمه أبداً. ولقد كان يرفض ـ منذ أيام كربلاء ـ أن يسمي مؤسساته باسمه، بل باسم الرسول الأعظم وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) وكان يقول: الله ورسوله وأهل بيته باقون.. ونحن زائلون! فهذه مكتبة القرآن الكريم. وتلك مدرسة الرسول الأعظم، وثالثة: مسجد الإمام زين العابدين (عليه السلام) وهكذا سائر المؤسسات، بل انه كان يرفض حتى أن تكتب على مؤسساته انه قد أسسها فلان وفيما يلي واحدة من ألوف القصص التي تحكي قصة إخلاصه العظيم.

* في كربلاء ـ أهدت إليه امرأة صالحة ممن تقلده في الفتوى بيتاً يشبه الفيلاّ في منطقة راقية خلف (منطقة المخيم) بشرط أن يجعله سكناً لعائلته، ولما قبل الإمام الشيرازي هديتها، (ولم يكن من الخمس أو ما أشبه) قال لها: وأنا بدوري أوقف هذه الدار لتكون مركزاً لمكتبة عامة ينتفع بها الناس. فرفضت المرأة الصالحة. وقالت: هو من خالص مالي ولا أريده إلا مسكناً لشخصك وعائلتك، وبعد كلام طويل أقنعها بقوله بأنها ستحصل على الثواب الذي تريده، وأكثر. لأنها ستكون سبباً لكي يحصل الشيرازي على الثواب أيضاً.

واقتنعت المرأة أخيراً. وصار المكان مكتبة عامة للناس باسم (مكتبة القرآن الكريم).

ولم يكن ذلك المكان إلا واحداً من عشرات الهدايا والأمكنة التي كانت تقدم لشخصه. ويهبها للصالح العام. ولا أحد يجهل أن الذين كانوا يحبّون هذا البيت الشريف منذ قرن واحد.. هم أشخاص كثيرون، وان الكثير من المحبين يهدون لمن أحبوه الهدايا الثمينة.. وكان الإمام الشيرازي ـ من أكثر من أحبه الناس في كربلاء ـ والكويت خاصة، وما أكثر المحبين للشيرازي من الأثرياء.. ومع ذلك كله فإنه لم يترك لعائلته درهماً ولا ديناراً ولا داراً ولا عقاراً.. حتى منزله الذي كان يسكنه (وقف) لا يورّث.

تُرى: لو أراد الشيرازي أن يتخذ من محبة الناس له، وسيلة للثراء العريض.. لنفسه أو لعائلته من بعده، أما كان ذلك ميسوراً له؟ ولكنه لم يفعل ذلك، إنه لم يكن له أي طموح دنيوي.

مرة أرسل له أحد كبار الأثرياء ـ مبلغاً جيداً من المال. وقال أنه لا خمس هو ولا زكاة.. بل هو هدية ليس إلا. وذلك أني ربحت بمشورتك في صفقة تجارية أموالاً طائلة وإني أريد مكافئتك عليها، وقبل الإمام الشيرازي ذلك المبلغ. ثم صرفه في مصاريف الخمس المعروفة، ولم يدّخر لنفسه أو لعائلته درهماً من ذلك المال.

* جاءه يوماً أحد مقلّديه من التجار وقال: لقد صرفت مبلغاً من سهم الإمام في بناء مستوصف خيري. بإجازة أحد العلماء. ولكنني لم أحصل على إجازتك وأنا أقلدك. والآن أخشى أن لا يكون ذلك مقبولاً عندك.

فقال له الإمام الشيرازي بالنص: أنت مجاز ليس فقط فيما صرفت لهذا المستوصف بل وفي صرف المزيد من سهم الإمام في بناء مستوصف خيري آخر وآخر.. وآخر.. ثم راح يشجعه على بناء المؤسسات الخيرية!

ورجع التاجر إلى مقرّه فرحاً مستبشراً.

* كثيراً ما كان يحصل أن أحد مقلديه كان يعطي بعض أموال الخمس لمرجع آخر يثق به، ثم يأتي إليه يستجيره. ولم يكن يتردد الإمام الشيرازي في قبول ذلك. باعتبار أن الجميع ـ وكلاء عن الحجة. والله ولي الصالحين.

ولا حاجة إلى أمثال هذه القصص المتناثرة لاكتشاف صدقه وإخلاصه. إن يوميات سيرته الطيبة في كربلاء والكويت شاهدة على ذلك الإخلاص.. فلا أحد من أهالي كربلاء ينسى كيف كان الشيرازي يصلي الصلوات الخمس جماعة.. صيفاً وشتاءً، فلم يترك صلاة الجماعة ظهراً في عز الصيف الحار رغم بعد مسجده عن داره. كما لم يترك صلاة الصبح في عز الشتاء رغم قلّة المصلين، وكانت تلك عادته في الكويت أيضاً.

وكيف أنه كان يصلي على أية جنازة حضرت عنده (سواء كان فقيراً أم ثرياً. مواطناً أم غريباً)، وكان يستطيع أن يحوّلها لغيره من أعوانه، ولكنه لم يكن يفعل. وهكذا لم يكن يستصغر شيئاً من أعمال الخير. طالما الهدف هو نيل رضى الله وثوابه. وكان حتى آخر يوم من حياته يجري عقود الزواج في داره شخصياً وبشكل يومي. وكان قد يجعل نفسه في متناول العامة يراجعونه متى شاؤا. ولأية حاجة أو مسألة. فلا حرارة الصيف كانت تمنعه، ولا برودة الشتاء كانت تصده.. ولا كان يعترف بالأعراف التي كانت تمنع الناس من اللقاء بمرجعهم، فالجميع كان يستطيع الوصول إليه، واللقاء به، ومسألته فيما أحب.. وكان يفتح قلبه للجميع، ويجيب على جميع الأسئلة. بل ولدماثة خلقه وطيب نفسه، كان البعض يستشيره في شؤونه الخاصة والعامة.

* رأيته مرة. يكتب وصلاً بالخمس بمبلغ ألف تومان لعامل أفغاني من مقلديه فلما أن انصرف من عنده قلت له: سيدنا.. هذا المبلغ لا يحتاج إلى وصل وختم. ولا يستوجب صرف وقتكم الثمين. فأجابني: بعضهم يأتيني بعشر هذا المبلغ (أي مائة تومان) وأكتب له الوصل!! مستضعفون.

وهذا جهدهم. وهم يريدون إبراء الذمة. فهل نصدّهم؟ ثم تلا الآية الكريمة.. (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ)(5).

ذاك بعض أخلاقه في مداراة الناس، واحترام الجميع.

وكان من الذاكرين

كان الإمام الشيرازي دعّاءً بكّاءً، لم يترك أوراده في أصعب الظروف، وكان ملتزماً بذكر (لا إله إلا الله) وخصوصاً في الأسحار حيث لم يكن يفوته هذا الذكر ـ مهما كانت الظروف ـ ألف مرّة على الأقل.

وكان يوصي أهل بيته بذلك ـ حتى أنه كان يدخل عليهم المطبخ فيراهم منشغلين بالعمل. فيقول: ولماذا تعملون صامتين... قولوا لا إله إلا الله، واتركوا أيديكم تعمل..

وكان يشترك شخصياً في ختم سورة الأنعام مع من حضر من عائلته في منزله يومياً.

وله في الدعاء والزيارة ـ كتاب ضخم ـ مطبوع ومعروف.

وقد شرح الصحيفة السجادية وأدعيتها، ودعاء السمات وغيرها منذ أيام كربلاء..

وكان يكثر من الدعاء في الصعاب والأزمات. ولا تنسى عائلته كيف أنه وقف في صحراء الرطبة حين خروجه من العراق قبل ثلاثين عاماً، وقد تعرقل خروج أخيه فترة طويلة. وقف مع جميع أولاده الصغار يصلي ويدعو وسط الصحراء.. ثم مضى في سبيله باتجاه سوريا.

وكان أحياناً يقضي الليل كلّه ـ وبطوله ـ بالأوراد الطويلة..

ومن أيام شبابه.. كان يكثر من زيارة عاشوراء، وكان قد ذهب من كربلاء أربعين ليلة أربعاء ـ أي سنة كاملة ـ إلى مسجد السهلة في الكوفة للدعاء والتوسل..

وكان من خصاله (رضوان الله عليه) انه كان عظيم الرجاء، فلم يكن يعرف اليأس في شدة البلاء، وكان يتوقع الفرج في كل لحظة، فإذا كان مريضاً أو مطارداً أو محاصراً.. الخ، كان ينتظر الفرج يومياً، وإذا دعا توقع الإجابة فوراً، ولم يكن يمل من الدعاء، ولا كان ييأس من الإجابة، وإن أبطأت عنه في كثير من الأحيان.

إن إقبال الإمام الشيرازي على الذكر والدعاء لم تكن خصلة غريبة عن شخصيته، فلقد عجن بالدعاء كل كيانه ووجوده، أصلاً، ومنبتاً، وتربية، ذلك لأنه ولد بفضل دعاء الجُنّة.(6) وربّي في حجر والده المشهور بالذكر والدعاء ـ الميرزا مهدي الشيرازي ـ وكان عمه معروفاً بتوسلاته حتى سمّي (بالسيد التوسلي) وجميع هذه الأسرة الكريمة من أهل الذكر والدعاء..

ولقد وجد الإمام الشيرازي في السنوات العشر الأخيرة من حياته متسعاً أكبر من الوقت للذكر والدعاء، كما أتيحت تلك الفرصة لمولانا الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).

ولقد ربّي الإمام الشيرازي كل أبنائه وبناته على الذكر والدعاء وختم الأوراد..الخ.

ولتشجيعهم كان يقول لهم: إن الدعاء أنقذ أخي من الإعدام في العراق، وأولادي من السجن. وأنقذني من المرض الخبيث (الذي أصيب به قبل عشر سنين من وفاته) ومن الجلطة القلبية الخطيرة (التي أصيب بها قبل أربع سنين من وفاته).

وإذا لم يكن قد ورّثهم شيئاً من المال فقد ورّثهم هذا (الكنز الثمين) الذي لا يقدر بثمن ـ (قل ما يعبأُ بكم ربّي لولا دعاؤكم). وهل ثمة شيء أعظم من عناية الله وإقباله؟!.

ولأن الدعاء ـ أمر يرتبط بالسيرة الشخصية ـ فإن الكثير مما يتعلق بهذا الجانب من حياته بقي طيّ الكتمان. ومع ذلك فإن عائلته وخاصة أصحابه يحفظون عنه الكثير من القصص المربية.

منها الكتاب الضخم الذي كتبه الدكتور اياد موسى محمود تحت عنوان/دراسات في فكر الإمام الشيرازي. وكتاب: غالب الشاه بندر تحت عنوان (ملامح النظرية السياسية في فكر الإمام الشيرازي).

قبل وفاته بأسبوعين أصيب بوعكة صحية ذهب فيها صوته تماماً. ثم عاد بعد المعالجة، وكان إذا أطال خطبة المسجد تأثرت حنجرته وعادت إليه العوارض القديمة. وكان يقول هذا عرض قديم يتجدد كلما أتعبت حنجرتي.

من الملاحظ أن معظم الذين قادوا الحوزة العلمية بكربلاء كان اسمه محمداً ـ من محمد بن علي بن حمزة إلى محمد بن فهد الحلي، إلى السيد محمد المجاهد، إلى محمد باقر الوحيد البهبهاني، إلى محمد شريف العلماء، إلى محمد تقي الشيرازي.. إلى محمد الشيرازي (رضوان الله عليهم جميعاً).

سورة الصافات/147-148.

سورة التوبة، الآية 79.

لم يكن والده المرحوم السيد ميرزا مهدي الشيرازي يرزق بالبنين فكتب دعاء الجٌنة.

رجوع